التمرد داخل البحر: رؤية في هندسة البيت الشعري الحديث
.............
الشعر العربي ليس أوزانًا جامدة، ولا جداول حسابية تُقاس بالأرقام وحدها.
إنه قبل كل شيء موسيقى، والموسيقى قبل أن تُقاس تُسمع.
حين نتحدث عن بحر الكامل — بتفعيلته الأصلية:
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
فنحن لا نتحدث عن سبع حركات وسكنات مرصوفة، بل عن نبضٍ صوتيٍّ يتكرر بنظام دقيق.
وهذا النبض هو الأساس، لا عدد الحروف.
الأرقام كوسيلة شرح لا كقانون
قد يُقال إن الحشو لا يتجاوز أربعة عشر حرفًا، وإن الشطر في الكامل يقف عند واحد وعشرين أو أربعة وعشرين حرفًا.
لكن هذه الأرقام ليست قوانين رياضية بقدر ما هي وسائل تبسيط.
الأساس الحقيقي في العَروض ليس عدد الحروف،
بل عدد المقاطع الصوتية المنتظمة.
فقد يطول السطر حروفيًا، لكنه يبقى منضبطًا إذا ظلَّ المقطع الصوتي مستقرًا في الأذن.
وقد يقصر سطرٌ آخر، لكنه يختل إذا تداخلت فيه القراءات.
إذن فالمعيار سمعيٌّ قبل أن يكون عدديًا.
الإضمار والكف: مرونة داخل النظام
بحر الكامل من أكثر البحور مرونة.
يجوز فيه الإضمار (تسكين الثاني المتحرك)، ويجوز فيه الكف (حذف السابع الساكن).
وهذه الجوازات ليست خروجًا عن البحر، بل هي جزء من طبيعته الحيوية.
إنها تسمح للشاعر بأن يعيد توزيع النبض دون أن يهدم الإيقاع.
فالتمرد هنا ليس تحطيمًا،
بل إعادة تشكيل.
البيت كبناية
يمكن تشبيه البيت الشعري بالبناية:
في البناء القديم: صدر وعجز، وثلاث تفاعيل في كل شطر، ونظام هندسي صارم.
في الرؤية الحديثة: يمكن تغيير شكل الواجهة، توزيع النوافذ، أو تعديل المساحات.
لكن الأساسات لا تُمس.
الشاعر الحديث لا يهدم هندسة البحر،
بل يعيد رسم شكل البيت داخله.
يحرر السطر من التقسيم التقليدي،
دون أن يحرره من التفعيلة.
وهنا يكمن الفرق بين التحديث والتفكيك.
الحداثة الحقيقية
الحداثة ليست كتابة نثر وتسمية ذلك شعرًا.
وليست كسر الوزن بحجة الحرية.
الحداثة الحقيقية هي:
الحفاظ على روح البحر،
مع تطوير بنيته الشكلية.
فإذا خرج الشاعر عن الأساس الإيقاعي، تشوهت موسيقى البحر.
أما إذا حافظ على النبض وغيّر التوزيع، فقد خلق طربًا عصريًا دون أن يقطع جذوره.
خاتمة
الشعر العربي ليس معادلة حسابية،
ولا هو فوضى مطلقة.
إنه نظام مرن.
ومتى وعى الشاعر هذا النظام، استطاع أن يتمرد داخله دون أن ينسفه.
فالتمرد الجميل ليس في هدم البنية،
بل في إعادة تشكيلها
بحيث تبقى الموسيقى حيّة،
وتولد منها صورٌ بيانية جديدة،
وبديعٌ مقبولٌ جميل

ما تفعلين هنا
........................

يا طفلة جاءت تقلب دفتري
ما خطبك
ما تبتغين هنا لدي و غنوتي
أمست حديث الساعة

تتأملين بضاعتي
و تفتشين و تبحثين عن اليقين حقيقتي
و بضاعتي
أزهار روض ساحر يغوي الأنا
بحروفه
يحي المشاعر روعها

كل القصائد نسوة

شقراء ورد خدها
عينان سحر رمشها
و الثغر عذب أحمر

ما تفعلين و ها هنا
شريان قلبي متخم
ضخاته
نبض لكهل سائح
ما عاد يرغب في الهوى
أو يعشق موجا يثير الرغبة

أغصان حضني يابسة
و ربيع عمري قد مضى
لم يبق عندي ما أقو له لم يعد
في مهجتي
عذب يلبي الحاجة

لغة أنا من دون مد يشبع
وطن أنا و بدون جيش يطمح

لا ليس عندي طاقة
فغرائزي شاخت و ولت هشة
كالعظمة في فاه ليث عاجز

.................................
بقلم وليد سترالرحمان

.........

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة