الذاكرة العشوائية
د.كرم الدين يحيى إرشيدات

هي ذاكرة الإنسان العشوائية...

لا ندري متى تستيقظ، ولا كيف تختار لحظاتها. تتحرك الذكريات فيها كما تتحرك الريح بين أغصان الأشجار؛ لا تستأذن أحدًا، ولا تعترف بقوانين الزمان. تعود معها أحلام الطفولة بكل ما فيها من براءة، وضحكات كانت تظن أنها خُلقت لتبقى، وأماكن ما زالت تحفظ وقع خطواتنا وإن غادرناها منذ أعوام.

وأحيانًا لا تكون الذاكرة عشوائية كما نظن، بل تكون أكثر حكمة منا. تختار لحظة ضعفنا لتفتح أبوابًا أوصدناها منذ زمن، وتعيد إلينا وجوهًا لم يغادرها الزمن، بل غادرنا نحن. وكأنها تهمس في أعماقنا بأن بعض الحكايات لا تنتهي، وإنما تنام في الروح حتى يحين موعد استيقاظها.

تعود محملةً بكل أوجاع السنين المخزنة فيها، فتسلب الإنسان راحته، وتبعثر اتزانه، وتشتت تركيزه. فنستسلم لآلام كنا نظن أنها اندثرت، ونعيش من جديد أحلام صبانا التي لم ندرك يومًا معانيها، وتطرق أبوابنا عناوين لم نفهمها، وإيماءات لم نكن نملك مفاتيح قراءتها.

أحيانًا نتوقف أيامًا، وربما أسابيع، عن الكتابة. الحروف والكلمات تعصف في رؤوسنا كالإعصار، لكن وسط الضجيج الذي يملأ أرواحنا تعلن الحروف عصيانها على كل عناويننا، فتبقى معلقة بين حاضرٍ يرهقنا، وماضٍ يرفض أن يغادرنا، تنزف منه الأشواق، وترتل الحنين لأيام ولى زمانها، وتبكي حاضرًا شيدت فيه الحياة معالم اليأس، حتى استنزفت منا طاقة الاحتمال.

وما أقسى أن يكتشف الإنسان أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعدد اللحظات التي لم يعشها كما ينبغي. وأن الكلمات التي لم تُقل في وقتها، تبقى معلقة في فضاء القلب، تكبر معنا، وتشيخ معنا، حتى تصبح أثقل من الصمت نفسه.

لا أدري...

قد نبكي على ماضٍ لم ندرك جماله إلا بعد أن غاب، وقد نبكي على حاضرٍ مرارته أشد من العلقم.

هي فلول من الذكريات، مبعثرة، تتسابق مع الزمن على غير هدى، تبحث فقط عن زاوية تختبئ فيها، وهي تحمل قوافي الأحزان، مثقلة بالأوجاع، بينما يبقى حلم يتيم، بلا هوية، أو ربما نحن الذين لم نحسن قراءة هويته.

قد تكون براءة الطفولة هي التي كانت تكتب تفاصيل حياتنا، وتمنحها عفويتها التي لم نفهمها إلا بعدما فقدناها.

كانت هي...

وكنت أنا...

كنا على مرأى الجميع، بوضوح النهار، ونتخذ من جمال القمر عنوانًا لوجودنا.

ماذا كانت هي بالنسبة لي؟

وماذا كنت أنا بالنسبة لها؟

لم نكن نعلم.

كل ما كنا نعرفه أننا اعتدنا وجود أحدنا في حياة الآخر. لم تمض ليلة دون أن يجمعنا حديث أو لقاء، ولم نسأل يومًا لماذا، لأن البراءة لا تعرف الأسئلة التي يطرحها النضج متأخرًا.

فاتتنا قوافل فلسفة الحياة، ولم نتعلم كيف نعبر عن مشاعرنا، ولا كيف نسمي الأشياء بأسمائها. لكنني كنت أذكرها دائمًا في صلواتي، وفي دعائي، وفي ابتهالات قلبي. كانت الصفحة البيضاء النقية في حياتي، وأقول هذا اليوم بعدما علمني العمر ما لم يعلمنيه الأمس.

واليوم، لا أبحث عنها بقدر ما أبحث عن ذلك الإنسان الذي كنتُه حين كانت الحياة بسيطة، وكانت الابتسامة تكفي لتفسير كل شيء، وكانت البراءة تغني عن ألف اعتراف. أفتقد ذلك القلب الذي لم يكن يعرف الحسابات، ولم يكن يخشى الخسارة لأنه لم يكن يعلم أن للأيام وجهًا آخر.

لا أدري كيف انحرفت عجلات الأيام عن مسارها، ولا متى تبدلت الطرق، حتى وجد كل منا نفسه يسير في اتجاه لا يشبه الآخر.

قد أكون حبست دموعي، ولكن ما جدوى الدموع حين يأتي البكاء متأخرًا؟

لا الذنب ذنبي...

ولا الذنب ذنبها...

كنا نمضي على سجيتنا، بلا تكلف، حتى افترقت بنا الطرق، وضاع حلم البسطاء في زحام الحياة، ولم يصلني معناه إلا بعد فوات الأوان.

ولعلنا لا نبكي الأشخاص بقدر ما نبكي النسخة التي كنا عليها ونحن بقربهم. فبعض البشر يرحلون، لكنهم يأخذون معهم أعمارًا كاملة، ويتركون لنا زمنًا نتصفحه كلما خانتنا الذاكرة... أو أوفت لنا.

لم أرها يومًا في حلم، لكنها دخلت دنيا أحلامي ذات ليلة دون استئذان.

دخلت معاتبة...

نظرت إليّ بعينيها اللتين أعرفهما جيدًا، ثم سألتني بصوتٍ خافتٍ ما زال يتردد في أعماقي:

"لمَ تخليتَ عني... وأنت كنتَ كلَّ عالمي؟"

ثم رحلت كما جاءت...

وبقيت أنا، أُلملم شظايا روحي، وأبحث عن جواب لسؤال لم يخطر ببالي يومًا، ولم أكن أملك له جوابًا، لا بالأمس... ولا اليوم.

وفي نهاية المطاف، أدركت أن الذاكرة ليست عدوًا كما نظن، بل هي آخر الأمناء على ما تبقى من أرواحنا. تحفظ الضحكة الأولى، والدمعة الأولى، والاسم الذي لم يغادر القلب وإن غاب عن اللسان.

وربما لهذا تعود...

لا لتغيّر الماضي، فالماضي لا يعود، بل لتعلّمنا أن بعض الأحلام لا تموت لأنها كانت عظيمة، وإنما لأنها جاءت في الزمن الخطأ.

فالذكريات ليست سجنًا إذا أحسنّا قراءتها، بل هي صفحات من كتاب العمر، نطويها باحترام، ونبتسم كلما مررنا بها، لأنها كانت يومًا جزءًا من نبضنا، وستبقى شاهدًا على أننا عشنا، يومًا ما، بقلوبٍ كانت تعرف الصدق...

 قبل أن تعرف الفقد.

د.كرم الدين ارشيدات 

الاردن

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة