نارٌ بِصَدرِكَ لَم تَجِد إِطفاءَها
فَسَرَت تُفَتِّتُ في الحَشا أَحشاءَها
كَالطِّفلِ يَبحَثُ عَن يَدٍ تُمسِي لَهُ
وَطناً، وَيَخشى أَن يَضيعَ لِقاءَها
يَمشي وَخَلفَ خُطاهُ يَركُضُ ظِلُّهُ
يَستَفتي الدُّروبَ: أَيَنَ يَمضي مَسعاها
حَمَلَ القَصيدَةَ في الحَشا مُتَلَهِّفاً
وَخَشى إِذا نَطَقَ الكَلامُ رِثاءَها
يَسقي الحُروفَ مِنَ الدُّموعِ وَيَشتَكي
لِلصَّمتِ، وَالصَّمتُ المُريبُ تَواءَها
يَرجُو النَّهارَ فَلا يَجيءُ بِنورِهِ
وَيَعودُ لَيلاً يَستَبيحُ دُجاءَها
يَطرُقُ أَبوابَ المَعاني كُلَّها
فَتَرُدُّهُ الأَبوابُ... يَكسِرُ عَصاها
يَبني مِنَ الأَحلامِ قَصراً عالياً
فَتَهُبُّ ريحٌ تَقتَفي بِناءَها
يَسأَلُ: أَينَ الحَقُّ؟ يَضحَكُ ساخِراً
وَجهُ الزَّمانِ، وَيُخفيَ إِيماءَها
يَمضي لِيَجمَعَ شَملَهُ مِن شَملِهِ
فَيَعودُ مَفجوعاً يُلَمْلِمُ أَشياءَها
بَينَ المَقاهي وَالدُّروبِ تَناثَرَت
أَوراقُهُ، وَالحِبرُ سالَ دِماءَها
نَادى: أَلا مِن مُنصِفٍ؟ فَأَجابَهُ
صَدى الجِدارِ، وَكَرَّرَ الإِصداءَها
قالوا: تَمالَكَ، إِنَّ صَبرَكَ قاتِلٌ
فَأَجابَ: قَد بُلِيَت بِهِ بُؤساءَها
يا أَيُّها الوَطَنُ الجَريحُ أَما لَنا
فيكَ المَكانُ، وَفيكَ يُشفى داءَها
نَحنُ البُذورُ، وَأَنتَ أَرضٌ طَيِّبٌ
فَلِمَ السَّرابُ يَسومُنا ظَماءَها
نَحنُ السُّيوفُ إِذا تَطايَرَ شَرُّها
وَنَحنُ مَن نَسقي الرِّمالَ حَياءَها
لا تَحسَبَنَّ الصَّمتَ ضَعفاً في دَمي
إِنّي أُخَبِّئُ في السُّكوتِ عَلاءَها
مَن قالَ إِنَّ الحُبَّ لَفظٌ عابِرٌ
فَليَنظُرِ النِّيلَ الَّذي أَحيا فَضاءَها
مَن باعَ أَرضاً بِالكلامِ المُشتَرى
باعَ الكَرامَةَ ثُمَّ باعَ سَماءَها
يا صاحِبي، إِنَّ الطَّريقَ مُضَبَّبٌ
فَتَمَسَّكَن بِالحَقِّ... يَهديكَ اهتِداءَها
إِنّي رَأَيتُ الفَجرَ يَخرُجُ دامِياً
مِن رَحمِ لَيلٍ يَستَبيحُ ضِياءَها
وَرَأَيتُ طِفلاً يَرسُمُ الحُلمَ الجَميلَ
فَمَحَت يَدُ الغِربانِ ذاكَ الرَّسماءَها
وَرَأَيتُ أُمّاً تَزرَعُ الصَّبرَ الجَميلَ
في أَرضِ بَيتٍ يَستَحِقُّ بَقاءَها
وَرَأَيتُ جُندِيّاً يَنامُ عَلى الثَّرى
وَيَصونُ في نَومِ الكَريِّ إِخاءَها
فَكَيفَ نَنسى؟ وَالجِراحُ قَصائِدٌ
نُقِشَت عَلى جَسَدِ الزَّمانِ وَفاءَها
يا مَن سَأَلتَ عَنِ البَيانِ وَسِرِّهِ
البَيانُ صِدقٌ... لا يُزَيِّفُ إِدعاءَها
وَالبَلاغَةُ أَن تَقولَ بِلا رِياءٍ
ما في الفُؤادِ، وَيَسمَعَ الأَصداءَها
وَالبَيتُ إِن لَم يَحمِلِ الصِّدقَ العَميقَ
كانَ القَصيدُ مُمَوهاً... هَذَياءَها
فَخُذِ القَوافيَ إِن أَرَدتَ بَلاغَةً
مِن قَلبِ مَن ذاقَ الأَسى وَبُكاءَها
إِنّي كَتَبتُ، وَما كَتَبتُ تَفاخُراً
لَكِنَّ جُرحَ الوَطنِ أَججَ رِثاءَها
فَإِذا قَرَأتَ الحَرفَ فَاعلَمْ أَنَّهُ
دَمْعٌ تَجَمَّدَ في السُّطورِ بُكاءَها
وَإِذا سَمِعتَ اللَّحنَ فَاعلَمْ أَنَّهُ
صَوتُ الَّذينَ تَشَرَّدوا وَنِداءَها
وَخِتامُ قَولي: يا بِلادي سَوفَ نَبقى
رَغمَ الرِّياحِ... نُعانِقُ الإِباءَها
سَنَظَلُّ نَكتُبُ بِالدِّماءِ حُروفَنا
حَتّى يَعودَ لِمَجدِنا إِحياءَها
وَسَيَعلَمُ التّاريخُ أَنّا هاهُنا
نَحنُ الَّذينَ صَنَعنا لَهُ الإِنشاءَها
مصرُ... أَنتِ القَلبُ إِن ضاقَ المَدى
تعليقات
إرسال تعليق