مقام العقل .. عند الإمام علي ع:
"بسم الله الرحمن الرحيم "
العقل عند الإمام علي كرم الله وجهه ذو مكانة عالية ودائما فهو حجر الرحى وسندان الحياة ومطرقة الأيام ومحور الحركات تدور به وفيه وعليه الأسباب والنتائج وبالتالي عليه المعتمد في خلاص الإنسان في العلم والمعرفة والحكمة وما بينها من ارتباط وانفصال واتصال..
سئل الباقر عن العقول فقال: هي من ضياء شعاع نور الخالق تُسرح في كل أحد ( واحد) مكانته ومكانة منه ليست منفصلة عن نور الباري ولا منقسمة..
سئل الإمام الصادق ع عن العقل ماهو:
فقال ع: العقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان ..
فقال السائل: فالذي كان في اهل الضلال
قال ع: ذلك المكر والشيطنة وهي شبيه بالعقل
وقال ع: الثواب على قدر العقل
وقال ع ردا على عدد من الأسئلة عن العقل:
العقل جوهر شفاف دراك للأشياء ولا شيء يدركه؛ وبه تدرك الربوبية ؛ وهو قوة إلهية ظهرت من سر العدم إلى الوجود فصارت دليلا إلى معرفة الرب المعبود؛ وهو سر الله في الإنسان ؛ به يكون الإنسان إنسانا ؛ وبه تستأنس القلوب المستوحشة؛ وهو المدّل بنفسه على نفسه ؛ والعقل عقل الأشياء بذاته؛ وهو المفيض على الصورة التامة بمقدار ما تأخذ منه وهو الذي لا يقع عليه عيان ولا يوزن بميزان ؛ ولا يحويه مكان..
دعانا الإمام علي ع: إلى أن نعقل ديننا وبإدراك حقيقة دنيانا التي نعيشها ونتشبث بما نظن انه من محاسنها ودعانا الا نكبل العقل بقيود الرغبات والنزوات ؛ ولم يحذرنا تخويفا وتهويلا بل ناصحا بأن نغالب شهواتنا وأن ننظر إليها بعين عقولنا الناصحة فقال ع:
فاحذروا عباد الله حذر الغالب لنفسه المانع لشهواته الناظر بعقله؛ فإن الأمر واضح ؛ والعلم قائم ؛ والطريق جدد؛ والسبيل قصد.
فالعقل إذا طغت عليه الرغبات فيصرف عن القيادة والعقل تحركه الحكمة..
وطالبنا الإمام أن نعقل ديننا ونتدبره تدبر العليم بعلمه المتبع أمره؛ تحت رعاية العقل المدبر فقال ع: " اعقلوا الدين عقل رعاية ودراية لا عقل سماع ورواية فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل.
فالتدبير قرار صادر عن العقل بعد المحاكمة ؛ فإن نقد العقل قدرة المحاكمة افتقد التدبير ونأى عن مهمته الأولى وفقد أهم خصائصه وميزاته..
قال ع: والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ..ما لعلي ولنعيم يغنى ؛ ولذة لا تبقى؛ نعوذ بالله من سُبات العقل ؛ وقبح الذلل؛ وبه نستعين.
والسبات: هو ان يفقد العقل المحاكمة السليمة في صاحبه الذي يرى أمامه وما حوله ويشم بأنفه؛ ويسمع بأذنيه ؛ ويرى بعينيه..وقد أعطاه الله العقل ليتدبر بحواسه ويعبر بواسطتها إلى الاعتبار بالمحاكمة السليمة ؛ ولكنه يهوى ويسقط بفعل سبات عقله وتعصبه.
يقول الإمام علي ع: لقد نظرت فما وجدت احدا من العالمين يتعصب لشيء من الأشياء إلا عن علة تحتمل تمويه الجهلاء ؛ او حجة تليط بعقول السفهاء ؛ غيركم ؛ فإنكم تتعصبون لأمر لا يعرف له سبب ولا علة..
وقد دعانا الإمام ع: إلى أن نميت في نفوسنا الشهوات والغرائز التي تعيدنا إلى الحالة الحيوانية ؛ وتبعدنا عن إنسانيتنا وبهذا قال ع: قد احيا عقله وأمات نفسه ؛ وهنا يبرز دور العقل جليا وهو التدبير ورفض الرضوخ لمطالب النفس ؛ فالإنسان زيّن بالعقل..
٢
أيها العقلاء:
الجسد كالمجتمع ؛ كالقطيع ؛ كالعشيرة؛ كالدولة ؛ ففيه انطوى العالم الأكبر" وتحسب نفسك جرم هين وفيك انطوى العالم الأكبر " وفضل الله الإنسان بالعقل ليقوده إلى مبتغاه ؛ كذلك الإنسان إن فقد قائده ومدبره العقل أدركته جانبا بفعل القوى الطاغية على الإرادة التي خارت لجهة الصواب والنفع وقويت لجهة الخطأ والضرر وكان هلاكه محتما.
قال الإمام ع: إن اغنى الغنى العقل ؛ وأكبر الفقر الحمق ؛ الغنى والفقر يقومان بالعقل وفقده ؛ الغنى ضد الفقر ؛ كلمات اتخذت بها سبيل الحكمة ارشدتك إلى مواطن الغنى ومواقع الفقر.
العقل يدير المال ويدبره والمال يذهب العقل ويسيطر عليه فيشغله به دون غيره ؛ وهذا من ضعف النفس فيهمش العقل...والفقر هو الإفتقار للحاجة من حيث المعنى المتعلق بالمادة والحاجة تتوفر بتوفير بسيط في التدبير..
والفقر الأسود: هو الإفتقار إلى المعرفة والحكمة وقوامها العقل فمن لا عقل له لا دين له..
والفقر بكل معانيه يؤثر سلبا على الإنسان من حيث الفقر العقلي فمن تملك ضعف المحاكمة منه عاد القهقري لما يحمل بين جنباته من نقائض.
قال الإمام ع: فإن الفقر منقصة للدين؛ مدهشة للعقل داعية للمقت..
يشير عليه السلام إلى فقر العقل والمعرفة والحكمة لا إلى فقر المال رغم أن فقر المال مقيت ولكنه ليس منقصة للدين ؛ والفقر قوامه فقدان المعرفة والحكمة فمن فقدها فقد مبرر وجوده الإنساني فشقي في الدنيا والآخرة..
وهب الله الإنسان العقل وميزه عن الحيوان فآثر بعضهم إلى رفض نعمة الله التي انعمها عليهم وهي العقل؛ وامتنعت عنهم نعمة العقل بفعل صادر عن إرادة ومشيئة صاحبها طمعا وجشعا وحبا وتعصبا؛ وقد وصف الإمام هؤلاء بالاشقياء..
فقال ع: فإن الشقي من حرم نفع ما أوتي من العقل والتجربة ؛ والشقي من يحرس المال فينتفع فيه المال ولا ينتفع هو بالمال ؛ وحارس المال كحارس الوهم هو فيه وبعيد عنه يشغله ويشتغل فيه ولا طائل منه فكل خارج المنفعة لا خير فيه؛ فمالك المال كبواب مقبرة لا يعتبر من الهالكين..
وبنظرة بسيطة إلى جامعي الأموال الباذلين العمر والغالي والنفيس لجمعها وتكديسها وبددوا أوقاتهم وشغلوا عقولهم بأمر لا طائل من جمعه لخروجه عن معيار الفائدة المرجوة من الأشياء وخدمتها للإنسان فأهلكوا أنفسهم وتركوا المال والمتاع لغيرهم ..
قال الإمام علي ع لكميل بن زياد :
ياكميل بن زياد هلك خزان الأموال وهم أحياء
أيها الناس : العقل في قول الإمام ع: هو محور ورأس الحياة وصاحب الإرشاد فحاكموا انفسكم وحاسبوها وفعّلوا عقولكم وفيقوا من كبوتكم وتوبوا إلى الله ..
قال الإمام ع: كفاك من عقلك ما اوضحوا لك سبل غيّك من رشدك..
وقال ع: اكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع..
فهل في مصرع العقل الموت ؟ نعم ..فمن أمات نفسه أحيا عقله .. ومن أحيا نفسه أمات عقله.
يقول أحد الحكماء:
تراه في صورة الأحيا فتحسبه حيا.....وذاك ميت غير ملحود
فموت العقل هو بإحياء الغرائز ورغبات النفس وأعراض الدنيا.
قال الإمام ع: وهو الذي أسكن الدنيا خلقه وبعث إلى الجن والإنس رسله ليكشفوا لهم
عن غطائها ؛ وليحذرهم من ضرّائها ؛ وليضربوا لهم أمثالها ؛ وليبصروهم عيوبها؛ وليهجموا عليهم بمقبر من تصرف مصاحّها واسقامها ؛ وحلالها وحرامها..
ورغم ذلك فقد تغلبت شهوته على عقله واستعبدته غرائزه وفقد عقله ولم يسمع النداء فعشق الرزيلة وأعمته الدنيا وسيطرت عليه الموبقات ؛ وغيب العقل قسريا وصمت الآذان وفقدت الحواس وظائفها الدالة إلى مخاطر ما تحس بفعل تدبر عقلها ؛ فأضحوا عبيد الدنيا.
فالإمام عليه السلام: يحاول أن يشد الإنسان إلى الإنسان ببناء الإنسان في بشريته بالعقل فإن تمكن الإنسان من بناء نفسه على أسس إنسانية التي أودعت فيه بالقوة مؤيدة بحكمة العقل..
فالعقلاء غذائهم علمهم وحضارتهم الأخلاق ومدنيتهم نتاج حضارتهم الأخلاقية وتجاوز حاجاتهم المادية بدلا من انشغالهم في جمع المال والثروة والإكتفاء بمسك الرمق لتستمر الحياة..
فالعاقل يأكل ليعيش لا يعيش ليأكل..
وليس في الخبز وحده يحيا الإنسان...
تعليقات
إرسال تعليق