التدمير الذاتي:
إن أخطر درجات التدمير الذاتي هي أن يضع الإنسان لنفسه فقاعة من الكذب ليعيش بداخلها فتموت إنسانيته اختناقا كأن يضع بيديه إلها دنيويا يطوف حوله وينتمي إليه ويعلق آماله به مؤمنا بأنه الخلاص بعد أن تعب من حمل أحلامه بين يديه منتظرا تحقيقها دون أن يتحرك قيد أنملة فيتنازل لإلهه المفتعل عن ظلمه قربانا بهدف التقرب غير المبرر سوى بالحاجة الملحة للإنتماء لقضية ما أو فكرة ما هروبا من شبح الإفلاس الفكري أو النفسي فيستحدث قضية أو فكرة من اللاشيء ليدعم بها موقفه العبودي عوضا عن جهل لله يؤدي به إلى مذيد من الجهل.
وكيف لإنسان تنازل عن بصيرته وفطرته لأن يعي الحقائق أو يُدرك حقيقة الواقع أو أن يتقبل الرأي الآخر أو أن يعترف بخطأ قناعاته أو أن يقبل حتى بإعادة التفكير؟!
فلتعيد النظر بذاتك أيها الإنسان علينا أن نهذب أنفسنا لنستطيع أن نبصر ما حولنا ربما استطعنا الوصول لأطراف الحقيقة لنتجنب من إصدار الأحكام.. ولنتمكن من ملامسة أرواحا طيبة لم تعرف يوما أنها كذلك، لم تتمكن من العثور على ذواتها المكبلة خلف حصون النفس أرواح شفافة كبلها مسخ مشوه يدعى" الأنا" من أن ترى النور ، هو صراع ولكننا لن نعرف ذواتنا حقا إلا في خضم حرب ، ولم ندرك من نكون حتى نكتشف عدم اكتمالها..
واعلموا جيدا أننا سندرك الصورة كاملة حين تستقر أجسادنا بين طيات التراب.
انا الإنسان جوهرة في داخل كل إنسان تساوت فيها البشرية في خلقها وقواها الكامنة منذ بدء نشأتها ؛ فمنا من غناها ومنا من اهملها فلم تضل طريقها ؛ لكن نورها حُجب بظلمة الشر ؛ حَجبَ إقصاء لا حجب تغييب أو إظهار أو إلغاء؛ فكان ما كان من حاكمية الشر ولم يكون حاكمها وإن حوكمت بفعله لتقصيرها وإن انتصرت " انا " بفعل المعرفة والإيمان قيدت الأنا في داخلها وأحالتها إلى ركام أو حطام.
" أنا" الإنسان المفطور على الخير الموهوب بالعقل القانع المؤمن الساعي لما يحتاج بما يحتاج في يومه بما توفر له من سبل لديه ناظرا إلى غده بعين الرأفة والثقة بمن أوجده ويسّر له رزقه ؛ وغداً له رب يرعاه ؛ يرى أنا في الآخر في كل زمان ومكان ؛ في الآخر الخارج من عالم البرزخ كما خرجت؛ والمطبوع كما طبعت ؛ والموهوب كما وُهبت ؛ والحامل كما حُملت ؛ والداخل إلى الكون كما دخلت؛ والخارج منه كما خرجت..فأنا هو.. وهو انا في كل وجودنا إن أحسنا الإتجاه إلى بارينا وخالقنا وعرفنا علتنا وسبب وجودنا وطرق اختبارنا واختيارنا ؛ وقرأنا ماضينا وحاضرنا كجنس ونوع في كل وجودنا من آدم أبينا إلى يوم التلاق؛ ذاك اليوم الذي لا مفر منه ولا مناصر ؛ ولفهمنا بأن لكل امرؤ ما سعى وسعيه سوف يرى ؛ فَسَعَتْ " انا" الإنسان ب" انا" الآخر وليس لها سعي إلا به ؛ فهو عبوري وأنا ممره ؛ فأنا هو وله وهو سبيل نجاتي فكان مني كأنا.
قال الإمام ع:" وواتر إليهم أنبياءه لما خصّهم به من وحيه ؛ وجعلهم حجة له على خلقه" ليستأوا وهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته"..
أرسل الله سبحانه الرسل إلى الإنسان لتقويم اعوجاجه ولحظة العودة إلى أنا" الإنسان" المودعة في بشريته بعد أن طغت عليها " الأنا" الفتاكة في النفوس والمجتمعات ؛ آخذين طريق تذكير الإنسان "الميثاق" الذي أخذه الله عليهم في عالم البرزخ؛ وحضهم العودة إلى فطرتهم التي فطرهم الله عليها " فطرة الخير" ومن استجاب كان الحب والعطف والرجاء والأمل والتباذل طريقه ؛ وكلها من مكونات الفطرة في " انا" الإنسان والعقل والأدب والتراحم والسعي كلها قائمة في " أنا " و" أنا" الآخر إن أحسنا سبر غور وجودنا ؛ وقيام إنسانيتنا في بشريتنا كقيام الصفات بمواقعها ؛ ولا قيام لاحدنا بمعزل عن الآخر...
هكذا قرأت "انا" كل ما هو مختلف في طباعه وشدّه وجذبه وطمعه وحسده وحركته وسكونه في داخلي يختلف عن مكونات" انا" الإنسان فهو الآخر في داخلي ..
الآخر: الأخطر والعدو اللدود هو الآخر القائم في نفسه وبنفسه المتمثل "بالأنا " تلك النزعة المتملكة في النفس القائمة على شغفها وعشقها لغنى تفقده؛ ولقوة لا تملكها؛ ولخلود تضمره؛ كما فعل إبليس بآدم وحواء وهما في عالم البرزخية في الجنة..
والآخر: هو الكامن في " الأنا " المتخفية وراء جدران كيان مخلوق آخر؛ فمن أنا؟ ومن هو؟ ذاك الذي ارتبط وجودي بوجوده علة وسببا وقياما وفناء وحاجة؛ فكل منا قامت" أناه"في كيانه ليكون عونا إلى " أنا" الآخر فلا قيام لمجتمع تحكمت فيه"الأنا" فهي مدعاة إلى الفرقة ؛ والمجتمع المطلوب هو المتكونومن " انا" الإنسان فهي داعية إلى الوحدة ؛ والآخر طرف من أطراف العقد الإجتماعي التضامني بحقوقه وواجباته وهو بالتالي قائم بكل مقومات الرقي والحضارة والمدنية في " انا" الإنسان.
وكذلك الآخر هو كل ما هو خارج عن" انا" في هذا الوجود من جماد ونبات وحيوان وإنسان وما بينهما من اجناس وأنواع كل مترابط وجودا بوجود.
الطير بحاجة للحَب ؛ والحب يحتاج إلى تراب لينمو والتراب عناصر وعناصر ؛ والإنسان بحاجة لها جميعها ؛ وكذلك تلك المكونات لا تستطع عمارة الأرض ولا أن تسعى إلى الرقي إلا بفعل الإنسان المتكون من " انا" صاحب الإعتدال مبتعدا عن الجحود والتجبر على نفسه وعلى أخيه وعلى المكونات الأخرى.
فا" الأنا" مدمرة للموجودات حابسة عن الناس الخيرات؛ حاجتها محدودة ؛ أطماعها غير مقيدة تفتك بالصغير فيدين لها الكبير خوفا ؛ دون أن يكون للعقل فيها تدبير ؛ ولا للصبر والعلم والمعرفة فيها مقام الأمير ؛ فجهلها أودى بها أبشع مصير..
فمن أحسن حب نفسه سعى إلى مجده الروحي ؛ فاخرجها من العبودية والذل للمادة المسخرة لها ؛ إلى فضائها الكوني الرحب ؛ فحررها من قيود الطبائع ونزوات الغرائز؛ وحبال الشهوات لتكون خاضعة له بحريتها لتحررها من العبودية للمادة؛ فخرج من طور الوسوسة إلى مرحلة التلاوم وإن استمرت بارتفاع أضحت مطمئنة ؛ يا لها من نهاية مرجوة..
لنبحث بروية اين كان الإنسان فإن أحسنا قراءة تراثنا الفكري نصل إلى الحقيقة ؛ الإنسان ذا نفس ناطقة إن زكاها بالعلم والعمل؛ فقد شابهت في جواهرها أوائل عللها ؛ وإذا اعتدل مزاجها وفارقت ، ولو جئنا إلى العلم الحديث قال الدكتور" دين رادين: في كتابه الظواهر الروحية الخارقة عن حالة واحدة بأنهم احضروا روحا ضالة وسألوها عن حالها قال منذ مئتي عام وأنا في ظلمة قاتلة أرجوكم أن تدعوا لي الله بأن يفرج عني ؛ وقام رجل الدين مع من كان في الجلسة بالدعاء له فأحضروا الروح بعد شهرين الحمد لله أصبحت
أرى أخي.
إن العقل يدعونا إلى ان نبني الإنسان في بشريتنا ليكون في أحسن تقويم كما خلق؛ وننظر إلى إنساننا كعالم له مجموعة من المكونات إن رُشدت كل تلك المكونات فيه وأحسن بناء مداميكها بلغ درجة عالية من الكمال الإمكاني ؛ وإن لم يستطع اقترب أو ابتعد عن إنسانية الإنسان بقدر ما تحقق من صفاته.. الظاهرة والباطنة من تلك الصفات ؛ وإن اردنا إنصاف انفسنا والكلمة التي نقرأها علينا أن ننظر إليها بمنظار البصيرة والعلم وهذا يفرض علينا إذا ابتغينا سواء السبيل وأردنا تقصي معاني الكلمات ومقاصدها ومضامين الإشارات ودلالاتها نظرنا إلى المفهوم المشترك بين الشرح اللغوي المنطلق من معناها وفق علماء اللغة للكلمة ومدلولها من حيث موقعها من الخطبة او القول أو الحكمة ؛ وقد وجب علينا الأخذ بعين الإعتبار صفة المتكلم فهو " أمير المؤمنين ع" فلنتجه متوسلين على بابه.
فايقظوا الإنسان النائم على سرير الشر واغسلوا وجهه بعين الكلمة الطيبة التي تلامس روحه وحقيقته ؛ واشعلوا شمعة العلم في قلوبكم ليتحول العلم إلى معرفة ؛واخرجوا ما هو مكنون بالعلم والعقل والمعرفة إلى عالم وجودكم الخارجي المتصل مع المجتمع" الإنسان الآخر" لنكافح قوة الجهل في نفوسنا ونسمح لنور العلم أن يتسلل إلى قلوبنا لقبول النور الإلهي لنخرج من الظلمات إلى النور ..
فلنتوجه لننير كل الزوايا المظلمة ليعم النور قلوبنا لتكون إنسانا..
قال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحرارا.
فلنتقي الله في علمنا وديننا وأهلنا ومجتمعنا..
قال تعالى" تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء ألا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم..الإسراء ٤٤"
وقال أمير المؤمنين(ع) الطريق إلى الحق على عدد أنفس الخلائق..
وقال السيد المسيح ع:
أحبوا اعداءَكم ..وباركوا لاعنيكم..واحسنوا معاملة الذين يُبغضوكم..وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم..فتكونوا ابناء ابيكم الذي في السماوات ..فإنه يشرق بشمسه على الأشرار والصالحين ..ويمطر على الأبرار وغير الأبرار..فإن أحببتم الذين يحبونكم فأية مكافأة لكم؟
وقال ع: فإن غفرتم للناس زلاتهم ..يغفر لكم ابويكم السماوي زلاتكم ..وإن لم تغفروا للناس لا يغفر لكم أبويكم السماوي زلاتكم..
وما أرسل الله رسولا إلا بلسان قومه ..
قال تعالى" وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم .. سورة إبراهيم ٤
وجاء في سورة المائدة " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة"..
وقال تعالى: وخلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم..
وأنتم أيها الاخوة قضى الله او قضت نفوسكم أمرا فجئتم إلى هذا المكان بخياركم رغم ما احاط بكم ..والسجن بالتأكيد ليس المكان الملائم لإنسانيتكم ..ففعلوا إنسانيتكم وراجعوا حساباتكم واغسلوا الذنوب والخطايا بالتضرع لله ليعفوا عنكم ، وتعاونوا مع حراسكم الذين يسهرون لخدمتكم واصلحوا ما امكن لكم لأنه في خارج هذا المكان ينتظركم الأبن او الاخ او الزوج او الحبيب.. والوطن أيضا ..
فإن منكم المهندس والمفكر والأديب والطبيب
فكل واحد منكم يجب أن يكون كل هؤلاء مجتمعين..
وحبوا بعضكم وكل منكم يعتبر زميله في المكان نفسه " أنا وأنت " انا ..الأنا الجامعة التي تجمعكم على الحب والخير ..فبقائكم هنا دون أن تمسحوا غبار الظلم والجهل سيدمر ذواتكم..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تعليقات
إرسال تعليق