تــشـريـحُ جـــســـدِ الأُمّــــــة
......................................
إلامَ يَشكو الجسدُ المُضنى من السَّقَمِ
ومــن يُــداوي جـراحًـا فـاضَتِ بـالألمِ
لـيستْ عـلَلْ… بـل سـهامُ الـغدرِ نـازلةٌ
قـد أُحـكِمَتْ، فاستباحتْ سائرَ القِسَمِ
كــــأنَّ خِــبْــرًا خــفـيًّـا راحَ يُــشـرِّحُـهُ
حـتى أصـابَ مَـخاضَ الـعَصْبِ والدَّمِ
رأى بـمـصـرَ فـــؤادَ الـجـسدِ مـنـتفضًا
فـأثـقلَ الـقـلبَ تـكـديسًا مــن الـضَّغَمِ
ضــغـطٌ يُـطـاردُ أنـفـاسَ الـحـياةِ بـهـا
حـتـى غـدتْ بـين يـأسٍ خـانقٍ ونَـدَمِ
والـدينُ فُـرِّقَ فـيه الـجمعُ فـانشطروا
والــمـالُ أثـقـلـها ديْــنًـا عــلـى الـدِّيـمِ
والــفـكـرُ زاحــمَـهُ طــوفـانُ مُـغـتـربٍ
حـتى تـلاشتْ مـلامحُ الأصـلِ والقِيَمِ
وراحَ نــحــوَ الـجـزائـرِ وهـــي رئــتُـهُ
تــبـثُّ فــيـهِ بـقـايـا الـــروحِ والـنَّـسَمِ
فــأوقـدَ الـفـتـنَ الـعـمياءَ فــي جـسـدٍ
وأطــلـقَ الــسُّـمَّ تـخـريـبًا مــع الـنَّـغَمِ
والـجـارُ حُــرِّضَ، والـتاريخُ قـد لُـعِبَتْ
فـيـهِ الأيــادي، فـمـالَ الـحـقُّ لـلـقِسَمِ
وخـيـراتُـها نُـهِـبَـتْ نَـهْـبًـا بـــلا حَــرَج
حـتى غـدتْ بـين أيدي العجزِ والعَدَمِ
ثـــم اســتـدارَ إلـــى الـحـجـازِ مُـتَّـئِدًا
يــبــثُّ سُــمًّـا خـفـيًّـا داخـــلَ الـنَّـسَـمِ
فـالـفـكرُ أُثــقِـلَ بـالـوسـواسِ مُـرتـبكًا
والـوعـيُ غــابَ بـأسـتارٍ مــن الـوَهَـمِ
وزُيِّـــنَ الـزيـفُ فــي أثــوابِ مـعـرفةٍ
حــتـى اسـتـكانوا لـبـهرَجَةٍ بــلا قِـيَـمِ
والـحـكمُ قُـيِّـدَ بـالخوفِ الـذي زرعـوا
في النفسِ، فاستعبدوا الأرواحَ بالنِّعَمِ
والــشـرقُ أضـحـى كـأحـشاءٍ مـمـزَّقةٍ
تـغلي، وتـأكلُ بـعضَ الـذاتِ فـي نَـهَمِ
ســرطــانُ فُــرقــةِ أطــــرافٍ يُـمـزِّقُـهُ
يــمـتـدُّ فــيـهِ كـتـيـهٍ داخـــلَ الـظُّـلَـمِ
والـسُّـمُّ يـسـري، فــلا يُـبـقي ولا يـذرُ
حـتى اسـتحالَ إلـى وهـنٍ بـلا عِـصَمِ
وسـائـرُ الـقـومِ مـن غـيرِ الـعُرُوبَةِ قـد
كـانـوا أطــارِفَ هــذا الـجسدِ الـمُلتَئِمِ
بـهـم يـقـومُ، وبـالـبأسِ الــذي حـمـلوا
يـمـضي، ويـشـتدُّ فـي الآفـاقِ كـالعَلَمِ
فــمـا يَــكـادُ عـظـيـمُ الـعـظـمِ يـلـتـئمُ
حــتــى يُــعـادَ كَـسـيـرًا إثـــرَ مُـنْـهَـدِمِ
لــكــنَّ ربَّــــكَ لا تُــخـفـى عـلـيـهِ يـــدٌ
وهـــو الـمُـهيمنُ فــوقَ الـخـلقِ كُـلِّـهِمِ
ســيُـبـرِئُ الــجُـرحَ، لا عــجـزٌ يُـقـيِّـدهُ
ويُـرجِعُ الـنبضَ فـي الأوصـالِ كالنَّغَمِ
فـتـسـتفيقُ، وتـنـهـضُ بــعـد كـبـوتِـها
كـأنـها الـبـدرُ بـعـد الـغـيمِ فــي الـتَّمَمِ
بـــــــقلم" القصاد صالح حباسي "
لمتى أيُّ طبيبٍ يشفيك؟
وما أصابكِ ليس داءً عابرًا، ولا علّةً من علل الزمان،
بل هو طعناتٌ مدروسة، وعللٌ تُزرع فيكِ زرعًا،
كأنّ خبيرًا خفيًّا جلس يُشرّحكِ عضوًا عضوًا،
يقرأ ما خفي عنكِ، وما غفل عنه آباؤكِ،
ثم يختار لكل موضعٍ داءه، ولكل نبضٍ ما يرهقه.
عرف أنّ مصرَ قلبكِ النابض،
فلم يطعنها بسيفٍ، بل أثقلها بالضغط،
ضغطٌ يتكاثر كالأمواج، لا يُرى ولا يهدأ،
ضغطٌ في الناس حتى ضاق بهم العيش،
وضغطٌ في النفس حتى أرهق الأرواح،
وضغطٌ في الأمن يُقلق ليلها ونهارها.
ثم جاءها من أبوابٍ شتّى،
من دينٍ يُستغلّ تعدده لا ليجمع بل ليفرّق،
ومن ثقافةٍ تتزاحم حتى تكاد تمحو الملامح،
ومن مالٍ يُثقل كاهلها ديونًا بعد ديون،
حتى غدا القلبُ مثقلًا،
ينبض… لكنه على حافة جلطة.
ثم التفت إلى الجزائر،
فرآها رئةً تمدّ الجسد بالحياة،
فلم يواجهها مواجهةً صريحة،
بل أرسل إليها ما يخنقها ببطء،
فتنًا تُزرع بين أبنائها،
وهمساتٍ تُحرّض جوارها،
وضرباتٍ خفية في اقتصادها،
وأيادٍ تعبث بثرواتها،
وأخرى تحاول أن تُعيد كتابة ذاكرتها.
ثم نظر إلى بلاد الحجاز،
فرآها العقلَ وموضعَ الإرشاد،
فلم يختر لها جرحًا ظاهرًا،
بل اختار ما يُعطّل الفكر ويُضلّ البصيرة،
تخديرًا يُثقل الوعي، ووساوسَ تُربك القرار،
فبثّ فيها الفتن،
وزيّن ثقافاتٍ مزيّفة، ألبسها ثوب العلم،
وغرس في بعض قياداتها الخوفَ على السلطة،
وحبَّ البقاء فيها،
وزيّن الشهوات حتى تُشغل عن الرسالة،
وسُلبت الإرادةُ شيئًا فشيئًا،
حتى غدا القرارُ مُقيّدًا، والثّراءُ مُستنزفًا.
ثم التفت إلى الشرق الأوسط،
فرآه أحشاءَ الجسد،
حيث تُمتصّ خيرات الكون وتُصاغ قوةً للأمة،
فاختار له أمراضًا خبيثة،
لا تضربه من خارجٍ، بل تجعله يأكل نفسه بنفسه،
فزرع الفتن بين أطرافه،
وغرس فيه سرطانًا مستشريًا،
يتغذّى على الانقسام،
ويمتدّ في الجسد حتى يُضعفه،
ويبثّ من خلاله السموم والأوجاع.
ثم نظر إلى سائر الدول الإسلامية غير العربية،
فرآها أطرافَ الجسد التي يقوم بها،
يبطش بها، ويسير بها، ويتّسع،
فلم يواجهها مباشرة،
بل أخذ يكسر عظامها كسرًا بعد كسر،
كلما انجبر عظمٌ، كُسر آخر،
حتى تُشلّ الحركة،
ويُرهق الجسد،
ويُترك فريسةً للوهن.
وهكذا الجسد…
قلبٌ مُثقل، ورئةٌ تُرهق،
وعقلٌ مُشوَّش، وأحشاءٌ تتآكل،
وأطرافٌ مكسورة،
وبقية الأعضاء تترنّح بين الألم والانتظار.
لكن…
يدَ اللهِ فوق كلّ الأيادي،
وبإذنه وحده يندمل الجرح،
وتُشفى الأعضاء عضوًا عضوًا،
ويعود النبض كما كان،
بل أشدّ حياةً وقوّة،
فتنهض الأمة من جديد.
تعليقات
إرسال تعليق