كتاب《تعلّمتُ من زوجي》
الفصل الثالث عشر

« تعلّمتُ من زوجي أنَّ الحبَّ الصادق لا تكسره الخلافات انما يذيبُ المشاكل مهما عظُمت»

لم يكن زوجي يرى الخلافات عدوًّا للحب، ولا كسرا للثقة، ولا سلاحا يقتل الاحترام، بل كان يراها امتحانًا لصدق الزوجين.

علّمني أنّ البيوت لا تخلو من الاختلاف ومن سوء الفهم بين الطّرفين، فقد يختلفا على أمر بسيط، وقد يختلفا في أمرٍ عظيمٍ جلل، قد يخطىء أحد الطّرفين مرّة، ويخطىء الآخر مرّة، وهكذا...

لكنّ القلوب الصّادقة هي التي تعرف كيف تُدير الخلاف دون أن تهدم المعنى، ودون أن تجرح ما بُني بالثقة والودّ.

تعلّمتُ منه أنّ المشكلة، مهما بدت كبيرة وصعبة، تصغر وتذوب حين نُخرج منها الأنا، ونلتمس لبعضنا الأعذار، ونتقدّم خطوةً نحو بعضنا بدل أن نبتعد ونتجافى ونوسع بذلك دائرة الشّقاق.

كان يؤمن أنّ الحبّ ليس غيابَ الخلاف وانعدامه، لأن الحياة الزوجية لا يمكن أن تخلو من المشاكل وبعض العثرات، لكن الحب هو القدرة على عبوره دون أن نخسر بعضنا في الطريق.

في أغلب لحظات التوتّر، لم يكن يرفع صوته بل يحافظ على ثباته الانفعالي، ولا يُراكم العتب، لينفر القلب، ولا يسجل العثرات ليُحوّل الخطأ إلى ساحةِ إدانة.

كان يصمت حين يكون الصمتُ أعدل وأفضل، 

ويتكلّم حين تكون الكلمةُ رحمة وفيها صلحا طيبا، 

ويعتذر قولا وفعلا حين يرى أنّ الاعتذار أقربُ إلى الله وأقربُ إلى القلب، حتّى وإن لم يكن المخطئ وحده.

علّمني أنّ الحبّ الصادق لا يبحث عن الغلبة، بل عن السّلام والطّمأنينة.

وأنّ الانتصار الحقيقي في الزواج ليس أن تثبتَ أنّك على حق فقط، بل أن تحفظَ القلب الذي أمامك من الانكسار.

كم من خلافٍ كان يمكن أن يتّسع، لكنّه كان يُطفئه بنبرةٍ هادئة، 

أو بابتسامةٍ صادقة، 

أو بجملةٍ بسيطة يقولها في الوقت المناسب، 

أو بباقة ورد تعكس لطفه ورقته، 

فتسقط حدّة الموقف، ويذوب التوتّر كما يذوب الجليد أمام دفء الشمس.

لم يكن يُقلّل من مشاعري، ولا يسخر من ضيقي، ولا يُصغّر ما يؤلمني.

كان يستمع، لا ليُجادل، بل ليفهم وجهة نظري.

وكان يُصغي، لا ليُجيب سريعًا، بل ليحتوي، فهو الاكثر رجاحة بالعقل، والأقدر على حل أي مشكلة، بخبراته التي تفوق خبرتي بالحياة.

تعلّمتُ منه أنّ أكثر المشاكل لا تحتاج حلولًا معقّدة، 

بل تحتاج قلوبًا صادقة، ونوايا سليمة، 

واستعدادًا حقيقيًا لبعض التنازلات من أجل بقاء المودّة، واستمرار قطار الحياة الزوجية، وبقائه صامدا ثابتا في وجه الأعاصير.

فالخلاف حين يُدار بحب، يتحوّل من تهديد إلى فرصة، ومن أزمة إلى مساحةِ فهمٍ أعمق.

كان يقول لي بالفعل قبل القول:

نحن في فريقٍ واحد، لا خصمان على طرفي نزاع.

نحن في سفينة واحدة، لكل منا دوره، حتى تسير بسلام، لأنها ان غرقت، ستغرق بنا جميعا.

وأنّ المشكلة مهما عظمت عابرة، أمّا العلاقة فباقية، فلا تُضحّي بالباقي من أجل العابر.

علّمني أنّ الحبّ الصادق لا يُشهر الأخطاء، ولا يُراكمها في ذاكرة الأيام، ولا يستخدمها سلاحًا عند الغضب.

بل يُغلّفها بالحكمة، ويُصلحها باللين، ويُغلق أبواب الشيطان قبل أن تتّسع.

فالكثير من الأزواج بعد مرور السنوات، يدركون أنّ كثيرًا مما كانوا يعدونه مشكلات كبيرة، لم تكن سوى تفاصيل صغيرة كبرت لأنّها وُضعت تحت ضوءٍ خاطئ، والبعض قد يدرك ذلك بعد فوات الأوان.

لكن حين يُضاء الخلاف بنور الحب، يفقد قدرته على الإيذاء.

تعلّمتُ من زوجي أنّ الحبّ الصادق يذيب المشاكل، لا لأنّها تختفي، بل لأنّ معناها يتغيّر.

فبدل أن تكون ساحةَ صراع، تصبح درسًا في الصبر، وفرصةً في القرب، واختبارًا في الإخلاص، ومدرسة نتعلم منها كيف نتجنب الأسباب المؤدية لطريق المشاكل والعتابات وإرهاق الأرواح بما لا تستحق.

علّمني أنّ الشريك الحقيقي لا ينسحب عند أوّل عثرة، ولا يُهدّد بالابتعاد عند أوّل خلاف، ولا يفجر عند الخصومة، فينسى ذلك الرباط الوثيق بين القلوب، بل يثبت، ويحتوي، ويُرمّم ما تصدّع قبل أن يتّسع الشرخ.

ومع كلّ مشكلة تجاوزناها معًا، كنتُ أزداد يقينًا أنّ الحبّ الذي يجمعنا ليس هشًّا، بل متين وثابت كالجبال الرواسي، لأنّه مبنيّ على الرّحمة، والصّدق، والاحترام، والإيمان.

وهكذا تعلّمتُ أنّ الحبّ الصادق لا يمنع العواصف، لكنه يمنحنا القدرة على مواجهتها بحكمة وصبر والنّجاة منها معًا.

وأنّ البيوت التي يسكنها الحبّ، قد تتعب، لكنها لا تنهار.

وقد تختلف، لكنها لا تفترق.

وقد تمرّ بالمشاكل، لكنّها تخرج منها أكثر نضجًا، وأقربَ إلى الله… وأقربَ إلى بعضها البعض.

علّمني الحبّ الصادق مع زوجي أنّ القلوب إذا صَدَقَت، صغُرت الخلافات أمامها، وأنّ الرحمة حين تسكن العلاقة، تصبح المشاكل عابرة، مهما عظُمت.

لقد علمتني الأيام بجانب زوجي أن الحب ليس مجرد كلمات تقال في أوقات الرخاء، بل هو القوة الخفية التي تظهر في أوج العواصف لتذيب جليد الخلافات مهما بلغت عظمتها.

تعلمت أن الحب الصادق يجعلنا ننظر إلى المشكلة كعقبة خارجية يواجهها "نحن" كفريق واحد، وليس كسلاح يشهر في وجه الآخر، وأن المصارحة النابعة من قلب محب هي أقصر طريق لإنهاء النزاع، فعندما يطغى الحب، يصبح البحث عن "حل" أهم بكثير من البحث عن "مخطئ".

وقد يكون الطريق للحل أحيانا الصمت لا المصارحة، بأن يكبت أحد الطرفين ما في نفسه، ويحاول أن يقفز عنه، فبعض المصارحات إن لم تكن بمكانها، وإن لم تقال بوقتها المناسب وبالطريقة الصحيحة، لربما أتت من بنتيجة عكسية...

وكل خلافٍ عابرٍ يمرّ بنا، لا يضعف حبنا، بل يذيب الجليد بين القلوب، ويجعلنا أقرب إلى بعضنا، وفي كل مرة نتجاوز فيها عاصفة، نزداد قوة ووفاءً لبعضنا.

فإذا ما شعرنا باصطدام آرائنا وبدء اشتداد المشاكل، كنت أصمت وأترك له مساحة التعبير الكافية في الوقت الذي يبدأ فيه الانفعال والعصبية بالتسلل اليه، 

واذا ما شعرت بضيق كان لساني يتجمد، لكن تتولى عيوني المهمة فتذرف العبرات بصمت وصبر، 

وهنا كان هو مباشرة يبادرني أيضا بأخلاقه العظيمة، فيحمل قلبي باللين والصبر، فيرفق بدموعي ويمسحها بابتسامة صادقة..

تعلّمت من زوجي أن الرفق بالزوجة سر في تثبيت الحب وحماية القلب من أي جرح أو اهانة. 

هنا كان يتجلى في قلبي معنى الحديث "رفقاً بالقوارير"

 هذا الحديث النبوي الشريف الذي أحفظ كلماته، لكنني لم أكن أدرك عمق "الفيزياء" الكامنة خلف كلمة "القوارير". 

كنت أظنها مجرد استعارة للرقة، حتى تعلمتُ من تعامله معي أن القارورة ليست هشة لأنها "ضعيفة"، بل لأنها شفافة. 

هي تعكس ما بداخلها بوضوح، وإذا انكسرت، لا يمكن إخفاء ندوبها.

ولذا كان يدرك أن دموعي ليست "نكداً"، بل هي ضجيج مشاعر تحتاج من يحتويها لا من يكسرها. 

فعلمتني أخلاقه الطيبة أن الرفق ليس في وقت الرخاء فحسب، بل في تلك اللحظة التي أكون فيها "قابلة للكسر"، فيثبتني ويبلسم جراحي، ويجبرني قبل الكسر.

"لم يكن رفقاً نابعاً من شفقة، بل كان رفقاً نابعاً من إدراكٍ عميق بأن كرامة المرأة هي المرآة التي تعكس رقي الرجل."

لطالما كان يشعرني أن حديثي الصغير هو أهم قضية في العالم، رغم تراكم الهموم في قلبه أحيانا.

واليوم، حين أسمع هذا الحديث، لا أتذكر الصور النمطية، بل أتذكر تفاصيل يومي معه.

 فشكراً زوجي...

 لأنك كنتَ اليد التي لم تكسر، والقلب الذي لم يقسُ، والعقل الذي استوعب تقلبات الفصول في روحي.

 لقد علمتني أن الرفق هو أسمى أنواع القوة.

شكرا زوجي...

 لأنك علمتني أن الحبّ الذي يُرضي الله لا يكسر القلوب، بل يجبرها، 

ولا يُفرّق، بل يجمع، 

ولا يُضعف، بل يُنضج… 

ويُبقي الأثر حيًّا، حتّى بعد الرحيل.

يتبع.............

بقلمي/ بيسان مرعي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة