أنا لم أنتصر 4
"الشاعر القادم — نبي بلا وحي"

الحركة الأولى — من أنا

لم يأتِ بي أحد.

لم تنزل عليّ نار،

ولا يناديني صوتٌ من وراء الغيب،

ولا وجدتُ على عتبة بيتي

رسالة تقول:

أنت المختار.

جئتُ وحدي —

كما يجيء المطر حين لا يستأذن،

كما يجيء الألم حين لا يُدعى.

أنا الشاعر

الذي لم يأتِ بعد —

أو الذي مرّ

ولم يُنتبه له.

حين أسمع صوت الطائرة في الأخبار،

قبل أن يقولوا العدد

أعرف العدد.

وحين أسمع اسم المدينة

أعرف ما جرى فيها

قبل أن يُقال.

وحين تُقال كلمة "انتصار"

أعرف من دفع ثمنها

قبل أن تكتمل الجملة.

إن كنتَ أنت أيضًا كذلك…

فأنت نبيّ أيضًا.

لكنّك اخترت ألا تتكلم.

وأنا —

الشاعر الذي لم يُرسَل،

لم يُختَر،

لم يُعطَ وحيًا —

أتكلم بدلاً منك.

لا أحمل كتابًا،

أحمل ما هو أثقل من الكتب:

ما رآه الجنرال ولم يقله،

ما عاشه الشهيد ولم يتمّه،

ما رأته عين الطفل

ولم تجد له اسمًا.

هذا وحيي —

لا يأتي من السماء،

بل من الأرض

حين تثقل بما عليها.

وأنا —

لا أنتصر لأحد.

لأن من ينتصر لطرف

يخسر الحقيقة،

ومن يخسر الحقيقة

لا تبقى له قصيدة.

الحركة الثانية — ما أراه

أرى حربًا لم تقع بعد…

لكنها تقع الآن

وأنت تقرأ.

أرى مدينة

تستيقظ على صوتٍ تعرفه

دون أن تتذكره.

ورجلًا يرفع يده

نحو أفقٍ لا يملكه،

ويقول ما قيل قبله.

كأن الكلمات

تبحث عن فمٍ فقط.

أرى أمًّا

تجمع ما يمكن حمله،

لكن يدها الأخرى

تبقى معلّقة بشيء

لا يُنقل.

تلتفت —

لا لتتأكد،

بل لأن شيئًا فيها

يرفض أن يصدّق الحركة.

وأرى طفلًا

يقف وينظر،

كما لو أن النظر يكفي.

تمرّ اللحظة

ولا تترك اسمًا،

لكنها تترك أثرًا

لا يُمحى.

وأراه يتكرر…

كما لو أن ما يحدث

لم يتعب من نفسه.

الحركة الثالثة — ما أحمله

أما ما أحمله

فليس ما أراه.

ما أراه يمرّ،

أما ما أحمله فيبقى.

في صدري ثلاثة أشياء:

الأول — الكسر

شيء كان قائمًا،

ثم انكسر.

لا دفعة واحدة،

بل تحت ثقلٍ

تراكم عليه.

ثم التأم —

كما تلتئم العظام حين تُجبَر.

يعود الشكل،

لكن الاستقامة

لا تعود كاملة.

يمشي صاحبه،

لكن في كل خطوة

ذاكرة لا تُرى.

الثاني — البقاء

شيء وقف وقال:

لن أتراجع.

فبقي.

لا لأن الطريق واضح،

ولا لأن النهاية مضمونة،

بل لأن التراجع

لم يعد ممكنًا.

وهذا البقاء

ليس صراخًا،

ولا راية،

بل ثقلٌ

يستقر في الداخل

ولا يزول.

الثالث — الفقد

شيء كان هنا،

ثم لم يعد.

ليس غيابًا عابرًا،

بل فراغًا

يأخذ شكل من كان.

فراغ لا يُملأ،

ولا يُعوّض،

ولا يتعلّم كيف يكون أخف.

الحركة الرابعة — وأنا

كل ما حدث

توقّف هنا.

كأن الزمن

نسي نفسه.

وأنا…

واقف عند اللحظة الأخيرة،

أترقّب

صوت السماء

ليحرّك ما تبقّى.

وأنا أنتظر…

أن يقولها الصوت دفعة واحدة.

✍️ محمد الحسيني ــ لبنان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة