ظلّت قصيدةُ «صوتُ صفيرِ البلبلِ» تتردّد على الألسنة، وتتناقلها المجالسُ جيلًا بعد جيل، حتى غدت من أشهر ما يُحفَظ ويُروى، على ما فيها من اضطرابٍ في البناء واختلالٍ في بعض القواعد. وقد نُسِبَت هذه القصيدةُ إلى الأصمعيِّ، على خلاف ما عُرِف عنه من عنايةٍ باللغة ورسوخٍ في الرواية، وهو ما يدعو إلى التوقّف عند هذه النسبة وإعادة النظر فيها.
ولمّا رأيتُ شيوعَ حفظها بين الناس، عالمِهم وجاهلِهم، على صورتها التي شاعَت بما تحمله من أخطاءٍ نحويةٍ وعَروضيةٍ، رأيتُ أن من الوفاءِ للغةِ، ومن حقِّ الذوقِ العربيِّ، أن تُقوَّمَ هذه الأخطاء، وأن يُعادَ للنصِّ اتّساقُه دون أن يُمسَّ معناه المتداول أو يُغيَّر مضمونه المحفوظ.
وقد التزمتُ في هذا العمل تصويبَ ما اختلّ من جهةِ النحو والعَروض، مع الإبقاء على بنية النص ومعناه، ولم أتعرّض للجانب البلاغيّ حتى لا يتبدّل وجهُ القصيدة أو يُحمَّل ما ليس فيها.
واللهَ أسألُ أن يكون في هذا الجهد خدمةٌ للغةِ الضاد، وإحياءٌ لذائقةٍ تقوم على سلامة اللفظ وحسن الأداء.
القصيدة بعد الضبط...
صَوْتُ صَفيرِ البلبلِ----هَيَّجَ قَلْبَ الثَّمِلِ
المَاءُ وَالزَّهْرُ مَعَاً---- وَزَهْرُ لَحْظِ المُقَلِ
وَأَنْتَ يَاسَيِّدَ لِي----وَسَيِّدِي وَمَوْلَى لِي
فَكَمْ فَكَمْ تَيَّمَنِي----غُزَيِّلٌ عَقَيْقَلي
قَطَّفْتُ مِنْ وَجْنَتِهِ----مِنْ لَثْمِ وَرْدِ الخَجَلِ
فَقَالَ بَسْ بَسْبَسْتَنِي----فَلَمْ يَجُد بالقُبَلِ
فَقَالَ لاَ لاَ لاَ لاَ----وَقَدْ مَضى كمُهَرْوِلِ
وَالخُودُ مَالَتْ طَرَبَاً----مِنْ فِعْلِ هَذَا الرَّجُلِ
فَوَلْوَلَتْ وَوَلْوَلَتُ----وَلي وَلي يَاوَيْلَ لِي
لَمَّا رَأَتْهُ أَشْمَطَا----يُرِيدُ غَيْرَ القُبَلِ
فَقُلْتُ لا تُوَلْوِلِي----وَبَيِّنِي اللُؤْلُؤَ لَي
وَبَعْدَهُ لاَيَكْتَفِي----إلاَّ بِطِيْبِ الوَصْلِ
قَالَتْ لَهُ حِيْنَ كَذَا----انْهَضْ وَجِدْ بِالنَّقَلِ
وَفِتْيَةٌ سَقَوْنِي----القَهْوَةَ كالعَسَلِ
شَمَمْتُهَا بِأَنْفِي----أَزْكَى مِنَ القَرَنْفُلِ
فِي وَسْطِ بُسْتَانٍ حُلِي----بالزَّهْرِ وَالسُرُورُ لِي
وَالعُودُ دَنْدَنْ دَنَ لِي----وَالطَّبْلُ طَبْطَبْ طَبَ لي
طَبْطَبِ طَبْ طبْطَبِ طبْ----فَطَاب طَبْ طَبْ طَبلي
وَالسَّقْفُ قَدْ سَقْسَقَ لِي----وَالرَّقْصُ قَدْ طَبْطَبَ لِي
شَوَى شَوَى وَشَاهِشُ----عَلَى وَرَقْ سَفَرجَلِ
وَغَرَّدَ القِمْرُ ضُحًى----مِنْ مَلَلٍ فِي مَلَلِ
فَلَوْ تَرَانِي رَاكِباً----عَلَى حِمَارٍ أَهْزَلِ
يَمْشِي عَلَى ثَلاثَةٍ----كَمَشْيَةِ العَرَنْجِلِ
وَالنَّاسُ تَسقي جَمَلِي----في السُوقِ ما بالقُلَلِ
وَالكُلُّ كَعْكَعْ كَعِكَعْ----خَلْفِي وَمِنْ حُوَيْلَلِي
لكِنْ مَشَيتُ هَارِبًا----مِنْ خَشْيَةِ العَقَنْقِلِ
إِلَى لِقَاءِ مَالِكٍ----مُعَظَّمٍ مُبَجَّلِ
يَأْمُرُلِي بِخِلْعَةٍ----حَمْرَاءِ كَالدَّمْ دَمَلِي
أَجُرُّ فِيهَا مَاشِياً----مُبَغْدِدَاً للذيَّلِ
أَنَا الأَدِيْبُ الأَلْمَعِي----مِنْ حَيِّ أَرْضِ المُوْصِلِ
نَظَمْتُ نَظُمًا شادِيًا----يُعْجِزُ كُلَّ العِلَلِ
تعليقات
إرسال تعليق