مَرْثِيَّةُ الضَّمِيرِ
إبراهيم شَحْرُور 

رَأَيْتُ مَنْ بَاعُوا الضَّمِيرَ لِدِرْهَمٍ
وَتَبَاهَوْا فِي مَوْكِبِ الأَثْمَانِ

أَقَامُوا فَوْقَ صَرْحِ الغَدْرِ عَرْشًا
وَتَوَّجُوا بِالزُّورِ كُلَّ جَبَانِ

تَرَكْتُهُمْ يَتَنَافَخُونَ كَأَنَّهُمْ
أَرْبَابُ هَذَا الكَوْنِ وَالسُّلْطَانِ

فَإِذَا هُمُ ظِلٌّ يَفِرُّ مِنَ الضُّحَى
وَهَبَاءُ وَهْمٍ فِي مَهَبِّ زَمَانِ

جَعَلُوا الحَقَائِقَ سِلْعَةً وَبَنَوْا
لَهَا فِي دُورِ البُهْتَانِ دُكَّانِ

خَطُّوا عَلَى جُدْرَانِ أَيَّامٍ لَنَا
مَدْحَ الطُّغَاةِ وَقِصَّةَ الطُّغْيَانِ

وَإِذَا الشُّعُوبُ تَئِنُّ تَحْتَ سِيَاطِهِمْ
ضَحِكُوا بِوَجْهِ البُؤْسِ وَالحِرْمَانِ

إِنْ مَدَّ يَتِيمٌ كَفَّهُ لِإِعَاشَةٍ
سَدُّوا عَلَيْهِ مَسَالِكَ الإِحْسَانِ

وَإِذَا فَقِيرٌ شَكَا جِرَاحَ كَرَامَةٍ
زَادُوهُ مِنْ قَهْرٍ وَمِنْ نُقْصَانِ

لَكِنَّنِي لَمَحْتُ فِي وَجْهِ الدُّجَى
فَجْرًا يُشِعُّ بِعِزَّةِ الإِنْسَانِ

رَأَيْتُ أَحْرَارًا يُرَابِطُ صِدْقُهُمْ
فِي سَاحَةِ المَبْدَإِ وَالإِيمَانِ

لا يَشْتَرُونَ المَجْدَ مِنْ أَبْوَابِ مَنْ
بَاعُوا النُّفُوسَ لِمَكْسَبٍ فَنَّانِ

لا يَخْفِضُونَ الرَّأْسَ خَوْفَ مُتَسَلِّطٍ
مَلَكَ المَنَاصِبَ بِالأَذَى وَالهَوَانِ

يَمْشُونَ وَالأَوْطَانُ تَسْكُنُ عَيْنَهُمْ
بِأَمَانَةِ التَّضْحِيَةِ وَالتَّفَانِي

إِنْ ضَاقَ دَرْبُ الحَقِّ لَمْ يَتَرَدَّدُوا
أَوْ خَانَهُمْ صَحْبٌ عَنِ الإِعْلَانِ

وَإِذَا اسْتَبَدَّ اللَّيْلُ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ
أَوْصَوْا النُّجُومَ بِصَبْرِهِمُ الرَّبَّانِي

فَالْحَقُّ لا يُهْزَمْ بِسَيْفٍ غَاشِمٍ
وَالفَجْرُ لا يَخْشَى رَدَى الجَلَّادِ

وَالأَرْضُ تَحْفَظُ خُطْوَةَ الأَحْرَارِ إِذْ
مَرُّوا عَلَيْهَا عَابِرِي أَزْمَانِ

سَيَزُولُ مَنْ نَصَبُوا لِلزَّيْفِ مَنَابِرًا
وَتَهُدُّهُمْ أَيَّامُهُمْ بِتَوَانِي

وَيَبِيتُ ذِكْرُ الصَّادِقِينَ مُعَطَّرًا
كَالنَّوْرِ فِي بُسْتَانِ كُلِّ جِنَانِ

هَذَا الزَّمَانُ وَإِنْ تَمَادَى ظُلْمُهُ
فَالعَدْلُ مَوْعِدُهُ بِعَوْنِ الدَّيَّانِ

وَسَيُعْلِنُ التَّارِيخُ يَوْمَ حِسَابِهِ
مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الوَفَا وَالأَمَانِ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة