.                           المَحَبَّةُ
                        النَّسمَةُ الثَّالِثةُ
إِيْهٍ عَلَىٰ دَربِ الْمَحَبَّةِ نَسِيرُ، 
مَا بَينَ نَسْمَةٍ ونَسْمَةٍ يُولَدُ الْإِنسَانُ فِي عَرَاءِ النُّورِ،
يَنفُضُ عَنهُ غُبَارَ تَعَبِ الْمَسِيرِ،
كَمَا الْعَنقَاءُ تَنفُضُ عَن أَجْنِحَتِهَا الرَّمَادَ،
يَخْرُجُ مِن أَثقَالِ شَقْوَةِ الشَّقَاءِ،
يَلبَسُ أَردِيَةَ الضِّيَاءِ لِيَفِيضَ بِنُورِ الْأَنوَارِ،
كَفَرَاشَةٍ مِنْ ظُلْمَةِ الشَّرنَقَةِ لِجَمَالِ الْأَزْهَارِ،
ويَمضِي نَحوَ جَوهَرِهِ الْأَسْمَىٰ،
كَسَهْمٍ فَارَقَ الْقَوسَ بِأَشَدِّ مَضَاءٍ،
حَيثُ لَا يَكُونُ لِلقَلبِ غِذَاءٌ إِلَّا الْمَحَبَّةُ، 
كّذَا وحِينَ يَتَلَاشَىٰ مِن عَلَىٰ أُفُقِ الظُّلمَةِ الْحِجَابُ،
كَالنَّحلِ حَرِيٌّ وَقْعَتُهُ عَلَىٰ الرَّحِيقِ،
ولَا لِلرُّوحِ ٱتِّسَاعًا إِلَّا فِي مَدَىٰ فَضَائِهَا الرَّحِيبِ،
كَأَجْنِحَةِ كُلِّ طَيرٍ لِأَجْوَاءِ السَّمَاءِ،
إِنَّ الْمَحَبَّةَ تَنبَثِقُ مِن أَعمَاقِ كُنهِ الرُّوحِ،
كَتَسْبِيحَةِ هَمْسِ الْخَاشِعِ فِي مِحرَابِ نُورِ الْجَمَالِ،
تَنتَشِرُ بِنَفَحَاتِ الرَّجَاءِ أَنَّ كُلَّ النَّاسِ بَينَ يَدَيْهَا فِي نُبلِ ٱحتِضَانٍ،
تُوقِظُ فِي الْقَلبِ ٱشْتِعَالَ مَا تَوَارَىٰ مِن جَمرِ الشَّوْقِ، 
مَا تَوَارَىٰ  تَحتَ رَمَادِ الزِّحَامِ والنِّسْيَانِ،
أَن لَا سَلَالِمَ بَينَ الْمُحِبِّينَ، 
فَهُمْ عَلَىٰ فُرُشِ الْمَحَبَّةِ أَخِلَّاءُ مُتَعَانِقِينَ،
هُمْ إِخْوَانُ إِيَاءِ الزَّرقَاءِ عَلَىٰ بُسُطِ الْخَضرَاءِ،
إِنَّهَا تَهُبُّ عَلَىٰ شِرَاعِ الْحَيَاةِ لِتُسَيِّرَهَا نَحوَ شَاطِئِ غِبطَةِ الِٱبتِهَاجِ،
تَحمِلُ فِي طَيَّاتِهَا إِيقَاعَ مُنحَنَيَاتِ الزَّمَنِ أَلْحَانًا فَارَقَت أَوتَارَهَا لِتَعُودَ لِيَنبُوعِ بَذْرَةِ نَسْغِهَا فَوقَ الْأَصدَاءِ،
لِتَعُودَ كَأَموَاجٍ عَنِ الشَّاطِئِ لِعُمقِ بَحرِ أَسْرَارِ الْإِبْدَاعِ أَعمَقَ فَرَحًا لِلْإِنشَادِ،
تُطلِقُ مِنْ مِقْلَاعِهَا إِرَادَةَ تَدَفُّقِ الٱنبِعَاثِ،
نَحوَ دَقِيقِ ضَبطِ الٱتِّزَانِ بِالرَّغْمِ مِنَ التَّحَلُّلِ وَالٱنفِصَالِ،
تُصَوِّبُ بُوصَلَةَ السِّيرَةِ ومَا تُخْفِي مِن سِرِّ جَمَالٍ نَحوَ نَوَاةِ نُورَانِيَّةِ الْإِنْسَانِ،
تَنفُخُ فِي الْأَنَامِ يَقْظَةَ وَعيِ الْوَعيِ الْمُحتَجِبِ ٱمتِدَادًا لِلْعَلَاءِ،
لَكَأَنَّهَا النَّسْمَةُ فِي الْفَخَّارِ،
تَتَجَاوَزُ بِمَنْ تَوَلَّاهَا طَاقَةً لِلْحَيَاةِ الْمَوَّارَةِ بَيْنَ النُّورِ والظَّلَامِ،
إِنَّهَا تُبَشِّرُ بِنَشْوَةِ الْبَهْجَةِ وَمَا تَلْبَثُ تُثَبِّتُ نِعمَةَ الْهَنَاءِ،
تَغْرِسُ فِي دَاخِلِنَا بِذَارَ يَقِينِ الْوُصُولِ لِمُنْشَرِحِ التَّحَرُّرِ مِنْ أَغْلَالِ جَوِيِّ الصَّلْصَالِ،
الٱنْعِتَاقَ مِنَ الْأَحزَانِ رَغْمَ رَهَبِ الطَّرِيقِ الْمُزْدَحِمِ بِالْبَلَاءِ،
لَكَأَنَّهَا أَجْنِحَةُ السَّلَامِ تَمتَدُّ لِجُنْدِ الٱسْتِعْبَادِ وَسْطَ حُقُولِ النَّارِ والْأَلْغَامِ،
تَمْتَدُّ لَهُمْ بِأَكُفِّ النَّجَاةِ حِينَ مِن دَوَامَةِ الرَّمَادِ لَا مَنَاصَ، 
حِينَ يَتَعَلَّقُونَ بِخُيُوطِ الدُّخَانِ لَيسَ لَهُمْ ألَّاهَا مِنْ خَلَاصٍ، 
تُرَتِّبُ لَنَا فَوضَىٰ الْإِحسَاسِ فِي مِيزَانِ السَّكِينَةِ لِلعُرُوجِ إِلَىٰ جَنَّةِ الٱطْمِئنَانِ،
إِنَّهَا لِمُعتَقَدِ النُّورِ الْإِنسِيِّ رِسَالَةُ الْإِيمَانِ، 
رِسَالَةُ الخَيرِ لِكُلِّ مَتِينٍ ثَابِتٍ لِجَمِيلِ تَآلُفِ ٱتِّحَادٍ،
إِنَّهَا بَذْرَةُ الْأَزَلِ الَّتِي فِي كُلِّ لَحظَةٍ تَتَوَالَدُ أَثْمَارُهَا فِي تَجْدِيدِ قَوِيِّ نَمَاءٍ،
تَمُرُّ بِزَهْرِ الْمَرحَمَةِ عَلَىٰ الْوِجْدَانِ لِتُحيِيَهُ أَثْمَارًا فِي السَّلَامِ،
تُرَتِّلُ عُلُوَّ الٱرتِقَاءِ عَلَىٰ سِكَّةِ التِّرحَالِ فِي وَاعِيَةِ الْأَحيَاءِ،
تَسْرِي فَوقَ فَوضَىٰ السُّقُوطِ أُنشُودَةُ رُقِيِّ بِنَاءٍ فِي ذَرَّاتِ أَنْسِجَةِ الْأَكْوَانِ،
صِنوُهَا إنسِكَابُ أَنغَامِ آيَاتِ الْجَمَالِ فَوقَ صَفْحَةِ الْمَاءِ،
إِنَّ الْمَحَبَّةَ أُنشُودَةُ تَجَلِّي النُّورِ فِي كُلِّيَّةِ الْإِنْسَانِ،
إِنَّهَا مَرقَاةُ كُلِّ ٱرتِقَاءٍ.
                  من ديوان حديقة النور لمولفه :
                  المهندس فتحي فايز الخريشا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة