كانا عاشقين
**********
صارَ الغيابُ لديه وطنًا
لم يكن يدركُ أن الحبَّ
قد يموتُ ببطء.
كان يظنُّ أن القلوبَ التي
تغفرُ كثيرًا لا تتعب،
وأنها خُلقت لتبقى طويلًا.
كانت تحبهُ بصدقٍ نادر.
حبَ من لا يطلبُ شيئًا لنفسه. فدومًا تغفرُ زلاته،
وتلتمسُ له الأعذار،
وتخيطُ ما تمزقه الأيام
بصبرٍ يشبه دعاء الأمهات.
وكلما عاد إليها مثقلًا بأخطائه،
تفتحُ له قلبها،
وتخفي وجعها خلف ابتسامةٍ هادئة.
لكنه لم يكن يرى
أن شيئًا فيها
كان ينطفئ مع كل خيبة.
كان الموتُ يسير إليها ببطء،
وكانت تشعرُ أن الضوء
الذي طالما سكن عينيها
يتراجعُ قليلًا كل يوم،
وأن الربيع
الذي كان يزهرُ في روحها
بدأ يذبلُ
دون أن ينتبه إليه أحد.
كانت تشبه زهرةً
تمنحُ عطرها الأخير،
بينما الجميعُ منشغلون بجمالها،
ولا أحد يرى
كيف تتساقطُ أوراقها بصمت.
ثم رحلت.
ورحلت معها أشياءُ كثيرة
لم يعرف قيمتها
إلا بعد فوات الأوان.
وفي الليالي الطويلة،
كان يفتحُ كراسةَ العشق القديمة.
يقلبُ الصفحات
كمن يبحثُ عن نافذةٍ
تؤدي إلى زمنٍ ضائع.
يقرأُ الرسائل،
ويتأملُ الكلمات،
ويصغي إلى
أنفاسِ الصمتِ الكامنِ
بين السطور.
هناك فقط كان يسمعُ صوتها.
وهناك فقط
كان يفهمُ كم أحبته.
وكم غزلت له من الحروف،
ونسجت لروحه من القصائد،
وكم أخفت دموعها
كي لا تثقل عليه.
هنا...
تساقط دمعهُ طويلًا.
حتى ظنَّ أن البكاء
قد يعيدُ الأشياء إلى أماكنها.
لكن بعضَ الأبواب
إذا أُغلقت،
لا تفتحها الدموع.
ومنذ ذلك اليوم
صار يبحث عنها في كل شيء.
في وجوه المارة.
في ارتجافة وردةٍ
على شرفةٍ مهجورة.
في أغنيةٍ قديمة
توقظُ وجعًا نائمًا.
في نجمةٍ وحيدة
تقاومُ عتمة السماء.
بل حتى في الحروف والكلمات،
كان يفتش عن أثرٍ منها.
لكنها لم تكن هناك.
لقد رحلت جسدًا إلى الثرى،
وتركت روحها
تجوب آفاق الذكرى.
وحيدًا أدرك الحقيقة.
ليس كل حبٍّ يرحل
بسبب الموت.
فبعضُ الأحبة
يموتون في داخلنا
حين نتأخرُ في فهمهم.
أما هي...
فقد رحلت مرةً واحدة.
وأما هو،
فما زال يرحل إليها
في كل ليلة.
**************
بقلم: محمد قرموسه
تعليقات
إرسال تعليق