الوداع الأخير
د.كرم الدين إرشيدات

وكأنه الوداع الأخير...
تتقطع أوصالي من وطأة لحظةٍ
 أعرف أنها حتمية،
لحظةٍ لا أدري كيف سأعبرها،
ولا كيف سأستطيع أن أنظر في عيونٍ كانت يومًا بالنسبة لي العالم كله.

اليوم أحزم ذكرياتي في حقائب الحرمان،
أطوي ما تبقى من حكاياتنا،
وأحاول أن ألوّح مودعًا...

مسافرًا،
مهاجرًا من عالمك الذي عددت فيه كل لحظات وحدتي،
وخبأت بين جدرانه ساعات حزني،
وتركت فيه شيئًا مني لا أعرف كيف أسترده.

أكره الوداع...
وأخاف النظر إلى الوراء،
ليس خوفًا من الطريق،
بل خوفًا من أن أرى دموع الفقدان في عينيك.

أخاف أن ألتفت،
فأرى ذراعين مفتوحتين تريدان أن تضماني إلى صدرك،
فأضعف...

ثم أعدل عن قراري،
وأعود.
لكن...
هل أعود؟

وهل تحتملني عيناك من جديد؟
وهل يستقبلني قلبك؟
وهل يغفر لي قلبكِ قرار الرحيل؟

يا من ملكتِ حنايا الفؤاد،
وسكنتِ الروح قبل أن أعرف أن للروح مساكن...

يا أيتها الإنسانة التي لم تكن يومًا عابرة في حياتي،
كيف أرحل عنكِ
وأنتِ في كل شيء حولي؟

حتى وإن كان الرحيل...
فلن ألبث طويلًا،
حتى تأتي روحك إليّ،
فتحتلني من جديد،
تستعمرني،
تأسرني،
وتقتحمني دون استئذان.

فأنا، في الحقيقة،
لم أكن يومًا أرحل منكِ...
كان رحيلي منكِ وإليكِ.

وما وداع الجسد بوداع،
فالروح ما زالت تسكن حيث أنتِ،
والنفس لا تألف لغيركِ،
والقلب، مهما حاول أن يتظاهر بالقوة،
ما زال يعرف الطريق إليكِ.

فكيف يكون الوداع
وأنتِ التي تسافر إليكِ أشواقي؟

وكيف يكون الرحيل
ومشاعري، كلما ابتعدتُ،
تزداد اقترابًا منكِ؟

كيف أقول: انتهى الطريق،
وكل الطرق في داخلي
تنتهي عندكِ؟

وكيف أغلق باب الحكاية،
وأنتِ ما زلتِ الصفحة التي لم أستطع طيّها؟

كل شيء في عالمي ينطق باسمكِ...
الليل يعرفكِ،
والصمت يعرفكِ،
والأماكن التي جمعتنا
ما زالت تحفظ وقع خطاكِ.

حتى أنا...
حين أقول إنني نسيت،
يخذلني قلبي.

وحين أقول إنني رحلت،
تفضحني روحي.

وحين أحاول أن أقول:
هذا هو الوداع الأخير...

يأتي صوتكِ من أعمق مكان في داخلي،
ليقول لي:
إن كان هذا وداعًا...
فلماذا ما زلتَ هنا؟

وعندها فقط أفهم...
أن بعض الرحيل لا يُغادر،
وبعض الوداع لا يحدث،
وبعض الذين نسكنهم
لا نستطيع أن نرحل عنهم...

لأنهم ببساطة،
صاروا نحن.

د.كرم الدين ارشيدات 
الاردن

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة