لعنة قافية
قد جئتُ من ديارُ الشقاءِ أهوي ببقاياهُ
و حملتُ من العشقِ ما كنا قد كسرناهُ
و إني قد بلغتُ الثرى حينما فارقني
وجعٌ تهدمَ بالقلبِ حتى بلغَ ثراهُ
فراحَ الألمُ يعصرني بين ضلوعيَ
و إني إن كنتُ لا ألقاهُ فألقاهُ
كأنَ الذي راحَ بالعمرِ فلا يعرفني
بالغيبِ تنحى بعتمةٍ و مالَ بنواياهُ
فعلى البقايا من أثرٍ زلَ يباعدني
لحضنِ النكساتِ رماني و شدَ بِخُطاهُ
فأضوعُ بكلِ العصورِ بشرهِ و أمضي
من المأساةِ بدمعٍ لا يفارقُ بشكواهُ
ليتهُ كانَ يعلمُ بأني متيمٌ بغرامهِ ألفاً
عشقٌ كعشقِ الأنبياءِ و ربما أعلاهُ
يا أيها الراحلُ من لونَ دمي في أزلٍ
كيفَ تهدني و القلبُ دارٌ بعرشهِ لكَ بناهُ
قد تواعدنا لأن نبقى معاً لقيامتنا
نسلو بطيبُ السنينِ رفاقاً بِجناهُ
هيهاتٌ للذي أمطرَ بحزنهِ زخماً و رسى
. فأزاحَني من الدهرِ بكلِ راحتي بمَداهُ
كأنَ لهُ من غدٍ إن جاء يذكرني
لئمُ الجِراحاتِ و البعدُ دارٌ يرعاهُ
فما نهمتُ بقهرُ الزمانِ نكستي لولا
لعناتٌ أهالتْ عليَ بالجحيمِ من خفاياهُ
أنا الرديمُ بعصفِ الرياحِ إن نكبتْ
و أنا الشبيهُ المنقوصُ بالعدمِ أشباهُ
ففي قلبي جِراحٌ يغلبني كلما نزفتْ
لي دهشةُ الخرابِ بالوغى فندمٌ غواهُ
و كلما مرَ بطيفهِ بذاكرتي أحرقها
يستلهبُ بجمراتٍ إن عدتُ بذكراهُ
قد ضرني ببابُ اليأسِ بكلِ شغبٍ
فتىً ينازعُ البقاءَ مراً بِجرحَاهُ
و ظني قدرٌ قد كنتُ سأحملهُ يوماً
كالسرابِ غدا هارباً بخمرِ سِكراهُ
فأبرحتني بِطعونها الرماحُ و إنما
الضيمُ اللئيمُ راحَ يستريحُ بخباياهُ
يحومُ بسقف السماءِ و يطرحني
فويلي من وجعٍ لا يرحمُ بمن ضماهُ
كالغبارِ في الريح مضى يبيتُ بملامحهِ
يجهدُ مبتسماً بصورٍ تعيدني لمراياهُ
و القلبُ ليسَ لهُ راحٌ بلحدِ المنايا
فكفرٌ بلذتهِ يبشرني و كفرٌ خطاياهُ
فأشكو من لوعةُ الفؤادِ بمرِ ونسٍ
أدنو في هلاكٍ كالغريقِ ببحرِ مَناياهُ
يجاهدني جرُ الشوقُ إليهِ بوحشةٍ
فأرسو بالغيابِ وجعاً بِعشرةِ ذِكراهُ
فهذا الأرقُ كيفَ أردُهُ و اللهفةُ ذابحةٌ
بالروحِ يعاشرني بالجرحِ الذي رباهُ
يا من هدني بلوعتهِ بنارُ الرحيلِ
كيفَ تنسى و غرامكَ يحرقُ سجاياهُ
بذمةِ اللهِ فلي نكباتٍ و قد تفرعتْ
حتى القدر قد ذلني و راحَ يقسُ مَعاهُ
بالأمسِ كانَ الفجرُ يطلُ نوراً ببقايانا
و اليومْ أُدمى كالنحيفُ البلايا وراهُ
و حينما جئتُ لأعبدهُ دونَ آلهتي
غدا كافراً الذي كنتُ كالآلهِ أهواهُ
تباعدَ و كانَ بالقلبِ سريرُ منزلهُ
فدارَ اليومُ عني شريداّ بشرِ نكاياهُ
فكم من السنينٍ رحتُ أشقُها بهامتي
و كم لزمتُ ندماً بفاجعتي أرنو بضراهُ
كأني نكستُ الدنيا يوما جئتُ أُكبرهُ
كالعنةِ دامَ يغيرُ بالزمانِ سواداً بمزاياهُ
ف حملتُ جِراحاتٍ دارتْ تذبحني
و أنا الذي بدنيتي لم أعشقْ سواهُ
فيا أيها العابرُ بوجعِ الفراقِ فراقاً
مالكَ تبلي بالقلبِ أرقٌ فوقَ ما بلاهُ
مالكَ تناحرُ بالسقوطِ بغدركَ و تشتفي
و ذاكَ القلبُ مازالَ يخفقُ ألماً بِمن نفاهُ
و كأني حينما أدعو لجرحي أُزعجهُ
أحمقٌ أنا فلا أدري كيفَ بقلبي غواهُ
كفرٌ يباركهُ بملئُ الأحقادِ ف يبقيهِ
كالحجرِ عدمٌ بمكاني فإني الآهُ
أُناديه منذُ ألفٍ و هو يديرُ بوجههِ
سرابٌ صراخي و أُدمعي يلهو بصداهُ
و كأنني حين ورثتُ منهُ مهادمي
أغديتُ بالبلاءِ ساقطٌ بثملِ خمراهُ
فمالكَ تهزي بالكفنِ يا أيها الجرحُ
كأنكَ رضيتَ بالألمِ لتشحفَ مني دَناياهُ
كالضريرِ قد صرتُ معكَ لبابُ الموتِ
فكيفَ ترهقُ روحاً بطعنكَ و أنتَ غلاهُ
و إني قد أضرحتُ بالأيامِ سقماً
عتمٌ أهالَ بظلامُ الليالي من كَناياهُ
فمالي و كأني على وجهُ الأرضِ ألعنها
مالي أزحفُ بقلبيَ خاسراً لمن رماهُ
فقد ضحَ الوهنُ يباركني دهراً
جرحٌ غدا بالشركُ يهوى من بهِ رواهُ
كطائرٍ مذبوحْ رماني للمواجعِ و دنا
بكؤوسٍ تسقطُ بخمرها من ديارِ فناياهُ
فأذاقني بالويلاتِ و مضى بمر لوعتهِ
كالقَرابينِ جرى بالهمِ و الكسرُ معناهُ
و إني لم أهدرُ بوقتُ الأيامِ في بكاءٍ
إلا و كانَ الحزنُ سببُ الحَرامِ ببلواهُ
قد أضنى في الردى بحلمهِ منكسراً
و الحجبُ العقيمُ يدورُ بهِ بما أجراهُ
و ليسَ لديني خجلٌ لو أنهُ أنصفني
فهذا السقامُ كم أجرعَ بالقلبِ و كم سَقاهُ
فأضوعُ بين ظُلماتِ الليالي و أنكرها
و هو براحُ الحلمِ قاتلٌ ينامُ بجفناهُ
فأيُ دينٍ للحبيبِ إن جاءَ يهجرني
يرحلُ بلا عذرٍ و بالروحِ قد أفناهُ
علتي منقصةٌ مهما يُحكى للعابرينَ
و حزني مقلدٌ بالشركِ البليغِ فما عساهُ
غريقٌ بدمعتي كلما زارني كابوسهُ
أشقى بالخصامِ حائرٌ كيفَ البعدُ أرضاهُ
أنالُ بجفَ الفؤادِ ضيمٌ و قد دعا
فما أرضاهُ بالوداعِ عجمٌ ينامُ بحكَاياهُ
و كإنَ لخافقي المغلوبِ نكساتُ رهبٍ
فينهضُ الحزنُ ليرسو ألماً بِمرسَاهُ
فهاكَ اليدينِ تحملني بِطيبُ القلوبِ
بقاءٌ ينجو و ذو البقاءِ يشقُ بخلاياهُ
بموعدِ الليالي ضجرٌ و كأنها عادتْ
تعصفُ بالأحوالِ و تزهقُ بمن جَفاهُ
فهل تراني بصلاة الحرفِ كم أُعددها
و أدينُ لقلبي بالكدرِ اللعينِ بكفرِ عِدَاهُ
أشاطرُ بكلِ حرفٍ يدعُ بقفرُ عتمتي
كأن لحرفي لسانٌ ينطقُ بالجراحِ أفواهُ
فمالهُ يبرحني ذاك الجرحُ شريداً
ف بعمري أدفنهُ و هو يرقصُ بكفْناهُ
ما كانَ بيني و بينهُ أعماراً نرددها
صغاراً كنا نلهو و نقطفُ ثمارُ صِباهُ
كالسرابِ دارتْ هامتي منقلبةٌ بنزعها
و العينُ من الدموعِ بحرٌ و قد جناهُ
فتلكَ الحكايا ما دارتْ لتهدُنا فراقاً
و لا الحنايا تبرئتْ بوصلنا يومَ ضحاهُ
حافياً خلفهُ رحتُ أشتهي بكلِ وصلٍ
بسدهِ العالي جفاني و أطرحني بقدمَاهُ
فتقاسمتُ بيني و بين الحرمانِ ذلتي
و كلما سعيتُ بالنهوضِ هدني بمسعاهُ
فيا أيها العمرُ مالكَ تمضي جارحاً
فتراني أشقى بالوتينِ و الآهُ من نداهُ
عبثٌ ما قد شدني لضياعي لولاهُ
فكيفَ أردهُ لذاتي و النفسُ قد نعَاهُ
فرحتُ أشحذُ منهُ ما دارني بصبابتي
خاصمني بلعنتهِ و فاضَ يهدمُ ما بنيناهُ
ضريحٌ جاءني ثم كالمشلولِ توسلَ
فكنتُ أرعى وعكتهُ بيدي و أُسقيهِ دواهُ
و عندما تعافى تمردَ كالحقيرِ يزفني
لعتمةٍ راحتْ تزيدُ بألمي ببعدِ ممشاهُ
ها أنا من بعدِ الخسرِ أحيا بالحسَراتِ
من حبيبٍ مازالَ بالطعنِ السكينُ بيدَاهُ
فمالي أشيبُ بالوجعِ بدربُ الإنتظارِ
مالي أرمي بالروحِ حجراً كي أراهُ
فدع النسيانِ يصلبني يا أيها الجرحُ
و إكفر بذاك القلبُ الذي بكَ رماهُ
أكانَ جرحي جسراً فعدني راكضاً
أم أن موتي أبرحني بالوغى و نجَاهُ
فيا قاتلي هل أشبعتَ بشركَ كسرتي
ام بقتلي عانيتهُ و مثلي مضيتَ بعماهُ
فإني أراكَ و قد بعتَ نهديكَ للغريبِ
فمالكَ برخصٍ الجسدِ تسعى بعلاهُ
مازلتُ أجلسُ بحيرتي في البلاءِ كيفَ
أصدقُ من سكنَ القلبْ جاءَ و جزاهُ
كم هانتْ عليهِ عشرةُ الأيامِ برخصٍ
فأنا الضريمُ مازلتُ أحتفُ بجوارِ بقاياهُ
فأمدُ بذراعيَ للسماءِ أكفرُ بغِيابهِ
أتضرعُ بوجعُ الرحيلِ مراً و ما احتواهُ
جفني حجرٌ بليلي يسدُ دربُ المنامِ
و العمرُ بالكربِ العتيقِ غريقٌ ببكاهُ
فكيفَ تعدني راسباً كالأمواتِ ياقاتلي
كأنكَ نشئتَ من جرحيَ تدنو بشذاهُ
ها هو الصبحُ قد غدا راجياً دونكَ
فكم ضلني برحيلكَ قلبي و كم أضناهُ
قل لي بربك يا أيها العمرُ كيفَ لأنجو
و الذكرياتُ تقطعُ بالروحِ من حناياهُ
فإني أوفيتُ زمنُ الطيبِ لألفُ دهرٍ
كرمِاً حملتهُ فأزهقُ بالروحِ تعباً بثقلاهُ
كالبرقِ رحلَ و هو يشقُ في شتاتٍ
عجبي فما أشقى هجرانهُ و ما أقسَاهُ
و تراني بإني ما ذكرتهُ يوماً إلا وجعاً
فحسبي من الأحزانِ فمازلتُ أهواهُ
ذاكَ البعيدُ قد دارَ كالغريبِ يعادني
فكيفَ لأحملُ بزمني إليهِ قرباً و ألقاهُ
ويلهُ هذا القلبْ كم تألمَ بحزنهِ باكياً
فلا عيشٌ يسكنني و لا حياةٌ بلاهُ
أُنازعُ بفراغِ الوحدةِ بكلِ ضجرٍ
أفتشُ بين زوايا الأمسِ عن ما دفناهُ
فدعْ ظِلالَ همومكَ تشتفي في طرفٍ
و إلعنْ قدركَ الملعون يوما دعاهُ
قد خانَ وفائي و لذا هارباً كالريح
حتى قربني بالموتْ و ما عُدتُ أخشاهُ
فالستُ أحسبُ اللعناتُ و إن طالتْ
وكلما جاءَ العمرُ يتعافى القدرُ قضاهُ
فرغمَ الطعونِ أشدهُ لذاتي المكسور
مازلتُ أخبئهُ بالروحِ خلداً بينَ ثناياهُ
فلا أغضُ عنهُ ناظري و أنسى
فمن يسكنُ الروح كيفَ لي أن أنسَاهُ
مصطفى محمد كبار
ابن حنيفة العفريني ✍🏼
تعليقات
إرسال تعليق