خربشات غربة
لكرم الدين إرشيدات
خربشاتُ نفسٍ تائهة،
تضع مفرداتها على صفحاتٍ أرهقتها الأشواق،
كأنها موجاتٌ صغيرةٌ متكسرة
على رمال الشطآن.
أنا الآن أمام البحر...
بحرٌ كبيرٌ وعميق،
يشبه نفسي كثيرًا،
لكنه، رغم اتساعه،
ليس بحجم مكنونات كرم الدين،
ولا بعمق خياله،
ولا باتساع مفرداته.
فكرم الدين موسوعةُ كلماتٍ لا تنتهي،
وبحرٌ من الهموم
فاق البحرَ حجمًا،
وأثقل منه موجًا.
نفسي كبيرةٌ بكل شيء...
بتطلعاتها،
بآمالها،
وبكل الأحلام التي خبأتها طويلًا.
لكن الحرمان كان لي بالمرصاد.
عزَّ عليه أن يرى إحساسي بالجمال والمودة،
وعزَّ عليه أن يرى، ولو بسمةً صغيرة،
تستقر على شفتي.
كان حرمانًا جائرًا على النفس،
يحصد كل جميلٍ بمنجل اليأس.
ومع ذلك...
تأتي نسمة شوق،
فتضرب مياه البحر،
وتحرّك أمواجه المتعثرة،
وكأنها تضربني أنا،
وتبعثرني أنا.
تسرقني الذكريات من نفسي الهائجة،
كموجةٍ غاضبة تضرب الرمال،
ثم تقذف غضبها
على زبد البحر.
النفس تتألم،
والروح متبعثرة،
وتتقاسم معي نسائم الشوق
بقايا الحنين إلى أرض أحبتي.
أرسم أحلامي على رمال الشطآن،
مثل طفلٍ صغير
يبني مدينة أحلامه،
مدينةً من الرمال
تحرسها براءة الطفولة النقية.
لكن المد يأتي...
يسحب معه كل تلك الأحلام،
ويجرّها إلى قاع البحر،
فتختفي تحت وطأة موجةٍ صغيرة
هدمت عالمًا كاملًا
كان كل ما يملكه ذلك الطفل.
نفسٌ يائسة،
تعاني ويلات الوحدة
وقسوة البعد.
نفسٌ كبيرة كالبحر،
حملت هموم الدنيا بأعبائها،
لكنها لا تحتمل لحظة ألم.
فالألم كالحجر...
لا يستقر إلا في الأعماق،
وموطنه الحقيقي
أعماق النفس الإنسانية.
هناك...
نارٌ مشتعلة،
نارٌ مستعرة،
وقودها الشوق.
نيراني أثقل من أن يحملها البحر،
وأشد من أن تطفئها أمواجه.
أيها البحر...
أيتها الشطآن...
أيتها الأمواج...
إن كنتم قادرين،
فأطفئوا نيراني،
وخففوا لهيب شوقي.
كونوا معي،
ولا تكونوا عليّ.
ساعدوني
لتستقر روح كرم الدين المعذبة.
فالبعد نارٌ وعذاب،
والغربة مرار،
والمسافات قاتلة.
ولا أجد نفسي
إلا في موطني...
في أعماق أحبتي.
فهم الأرض،
وهم الوطن،
وهم الجهات التي ترحل إليها أشواقي،
وهم خلاص روحي المحترقة،
وهم البرد والسلام
لجسدٍ أشعله الحنين.
ليت الأشواق،
وليت الأشجان،
يخبرانهم عن كرم الدين،
وعن غربة كرم الدين.
ليت ساعات الوحدة
تتحدث عن لوعات قلبي.
ليتك، أيها البحر،
تستطيع أن تستوعب حجم غربتي،
وحجم وحدتي...
فالبعد عن الأحبة غربة،
والحنين غربة،
والأيام غربة،
وكل لحظةٍ أكون فيها وحدي...
غربة.
نحن البسطاء
أصدق الخلق بما نحمل من حب،
ونحن أكثرهم عذابًا.
نحن الذين سطرنا أعذب كلمات الحب
بدموعنا،
وكتبنا مفرداته
بما نزف من أرواحنا.
نحن الذين بعثرتنا الحياة
بين همومها،
وقلة الحيلة،
وطول الانتظار.
هو العزاء...
العزاء للنفس قبل كل شيء،
والعزاء على أقدارنا التي تخلت عنا،
والعزاء لسنين الطفولة
التي سرقتها الأيام منا.
أفتقد كل شيء...
أفتقد ضحكات طفلٍ
بزغت لها أشعة الكون،
وأنارت لها الدنيا كلها.
أفتقد تلك البسمة الشفافة
التي غنى لها القمر.
أفتقد خربشاتي
التي كنت أفصح من خلالها
عن مكنونات نفسي.
أفتقد تنهيدات قلبي،
ذلك القلب الذي كان يرسل خلجاته
أشواقًا محملة بالود والمحبة.
أفتقد مراسيل الغرام
التي كانت تحمل تحيات قلبي
إلى من يسكنون حناياه،
وتكون روحي مقرًا لهم.
أفتقدكم جميعًا...
ولعل أقسى ما في الغربة
أن تفتقد الأشياء
حتى قبل أن تعرف
كيف تستعيدها.
م ـ كرم الدين إرشيدات
تعليقات
إرسال تعليق