حبر على ورق
د.كرم الدين يحيى إرشيدات

أمور كثيرة استفزّتني اليوم…
وكانت هي إحداها.

طيفها موجود.

أحسّ به…
أشعر به قريبًا مني،
حتى إنني أرى الدنيا وكأنني أراها بالأبيض والأسود فقط؛
كأنني أستعرض صحيفة قديمة،
كل صورها بلونين لا ثالث لهما.

وكأنني اختزلت الزمان والمكان،
وأمسكت عصًا سحرية أفعل بها ما أشاء.

كأن الأرض طُويت،
وكأن الكرة الأرضية لم تعد تتجاوز حدود جدران غرفتي.

بحارها ليست أوسع من كأس الماء الذي أشربه،
وغاباتها ليست أكثر من بضعة أسطر
في إحدى مدوناتي.

والكون كله…
لا يتسع إلا لي ولها.

حدود كوكبي هي جدران غرفتي،
وما عداها… فراغ.

في عالمي الصغير
لا حدود للمستحيل.

وكأن زمن المعجزات قد عاد من جديد؛
زمن أسمع فيه وأرى كل شيء،
أشعر بوجود أحبتي إلى جواري،
أسمع أصواتهم وضحكاتهم.

هي موجودة…
نعم، هي معهم.

أسمع وقع قدميها،
أشم رائحتها،
وأرى ومضات من خيالها.

نعم… هي موجودة.

هي تسمعني،
هي معي،
هي ترى دموعي،
وتشعر بوجعي.

هي التي وضعت الملح على جرحي،
هي التي أسميتها حبيبتي،
والتي كان عذابي جزءًا من حكايتها.

هي التي أعطيتها كل شيء،
وهي التي ظننت أنني بدونها لا شيء.

كانت بدايتي،
ومعها كانت نهايتي.

كانت رصيدي وثروتي من الأحزان…
كانت كل أحزاني.

لكنني اكتشفت شيئًا آخر.

عندما نكون حبرًا على ورق،
يصبح من السهل أن تتشقق نفوسنا،
ومن السهل أيضًا أن نعيد ترتيب الكلمات
وكأن شيئًا لم يحدث.

فالورق يصف ما كُتب عليه…
لكنه لا يشعر به.

ومهما رسم الحبر من حروف،
لن يستطيع أن يصف لحظة يأس
يتراجع فيها الإنسان أمام نفسه،
ولا يستطيع أن ينقل ارتجافة روح
تبحث عمّن يسمع استغاثتها.

ومع ذلك…
أحتاج إلى مطبّب،
ولو بكلمات رثاء تُكتب على جدران غرفتي.

أحتاج إلى مسعف
يضمد أوجاع قلبي،
ويحاول أن يمسح الحمم
التي تذرفها دموعي.

يا الله…

معجزة واحدة أطلبها منك؛
معجزة تخرجني من هذا العالم
الذي ضاقت فيه روحي.

أنا مجرد من كل شيء،
لا أملك إلا عجزي،
ولا أحمل إلا استسلامي.

عاجز عن ترجمة
انسلاخ الروح المستغيثة
إلى كلمات يفهمها من يأتي لإنقاذها.

ورغم كل هذا الحبر…
كانت استغاثتي ناقصة.

ربما لأنني لم أتعلم بعد
كيف أرتب الحروف
حين يكون الوجع أكبر من اللغة.

مُرغم أن أعيش في عالم
يشبه صندوق ألعاب.

عالم افتراضي…
مرسوم ومكتوب.

مجرد أحرف،
لا وجود حقيقيًا للأنفس فيه،
ولا مساحة كافية للأرواح.

بيانات محفوظة… لا أكثر.

حتى النفس البشرية
لم تعد في هذا العالم
إلا أحرفًا وكلمات،
وصورًا ورسومات تعبيرية.

أما الأحاسيس والمشاعر،
والحب والألفة،
والسكينة والإنسانية،
والعطف والشفقة…

فكلها مصطلحات مدوّنة
قيد البحث.

ما هذا؟

ما الذي يحدث؟

أيعقل أننا وصلنا
إلى هذا المستوى من الجمود؟
من اللا حراك؟
من السلبية المطلقة؟
من الخنوع المتخم بالهوان؟

أصبحنا أشكالًا ورسومات ورقية.

الابتسامة تُرسم،
والدمعة أخذت أشكالًا من فنون الرسم.

أصبحنا مجرد رسم…
لا أكثر.

كعرائس دمى تحركها عيدان،
ورسومات تعبيرية
تخلو أجسادها من كل ما يربطها بإنسانيتها.

حاولت أن أنشق عن هذا الواقع المؤلم،
وأن أكون أنا…
فقط أنا.

لكن التيار كان أكبر من أن يُقاوم،
والريح العاصفة
كانت تقتلع كل شيء في طريقها.

ولم تُبقِ من الإنسان
إلا رموزه التعبيرية.

أنا لم أختر.

وما كنت لأختار
أن أدفن ذكرياتي وإنسانيتي.

لم أختر أن أكون حبيس جدران غرفتي،
ولا أن أستبدل واقعًا عشته
بدمي ولحمي،
بعالم من الرسومات على الورق.

هواجس روح
رسمت واقعًا افتراضيًا،
ثم عاشت فيه.

حتى أصبحنا جميعًا…
حبرًا على ورق.

بمتناول يد كل من أراد أن يتصفحنا.

حبرًا على ورق،
نخلو من المشاعر الإنسانية،
ونتحدث عن الحب
دون أن نلمسه،
وعن الحزن
دون أن نشعر به،
وعن الإنسانية
وكأنها مصطلح في كتاب.

لكنني لا أريد هذا.

أريد أن أكون أنا.

لا أريد أن أكون رسمًا
من حبر وورق.

أريد أن يأتي الفرح
ويسكن عالمي…
ولا يفارقني.

أريد أن أستعيد نفسي.

أنا لا أستحق
أن يُنكّل بكياني ووجودي.

أريد أن أكون أنا.

أريد إنسانيتي
التي سُلبت مني.

أريد أن أمسح دموعي،
وأن أستعيد يدي التي تمسك الريشة،
وحبرًا أكتب به ما أريد،
لا ما يُملى عليّ.

أريد لحظة
أكون فيها أنا من يمسك الريشة،
أنا من يختار الكلمات،
أنا من يكتب مخطوطاته،
ويوقّع في آخر الصفحة:

مدونات كرم الدين بن يحيى الإنسان.

أفلاطونيات العاشق المتيم.

أريد أن أكتب…
أن أحب…
أن أشعر…
أن أضحك…
أن أبكي…
أن أعيش.

أريد أن أكون إنسانًا…

لا حبرًا على ورق.

د. كرم الدين يحيى إرشيدات 
الأردن

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة