بضاعةُ الليل

يا ليلُ، دعنا نتَّفقْ…
أنا قد تعبتُ، وأنفقتُ كلَّ الصبرِ،
حتى لم يبقَ في يديَّ شيءٌ أساومُ به الغدَ.
يا ليلُ…
كم مرَّةً قلتُ: غدًا سيكونُ مختلفًا،
ثم جاء الغدُ مرتديًا وجهَ الأمسِ.
وكم مرَّةً حملتُ أحلامي
إلى أبوابِ السماءِ، ثم عدتُ بها
أكثرَ صمتًا، كأنَّ الدعاءَ نفسَهُ
كان يتعلَّمُ معي فلسفةَ الانتظارِ.
لذلك، يا ليلُ،
إن كان عندكَ شيءٌ منِّي، فأعِدْهُ.
أعِدْ إليَّ ضحكتي التي نسيتُها،
ودهشتي الأولى،
وقلبي قبلَ أن يعرفَ الخوفَ،
وأحلامي الصغيرةَ التي كبرتْ في الغيابِ
حتى صارتْ أثقلَ منِّي.
وأعِدْ إليَّ تلكَ الروحَ التي كانت تمشي
ولا تسألُ الطريقَ إلى أينَ.
أمَّا ما تبقَّى منِّي،
فدَعْهُ عندكَ…
فقد تعلَّمتُ أخيرًا أنَّ الإنسانَ
لا يخسرُ عمرَهُ حين يتعبُ،
بل حين يظلُّ يمنحُ نفسَهُ
لشيءٍ لا يعيدُ إليهِ حتَّى اسمَهُ.
يا ليلُ…
دعنا نتَّفقْ هذهِ المرَّةَ:
لا تسألْني لماذا تأخَّرتُ،
ولا لماذا شاختْ أحلامي،
ولا لماذا جئتُ إليكَ
بكلِّ هذا التعبِ.
فقط…
افتحْ خزائنَكَ القديمةَ،
وأخرجْ ما تركتُهُ هناكَ،
ثم ضَعْهُ أمامي بهدوءٍ.
أريدُ أحلامي،
وذكرياتي،
وما تبقَّى منِّي…
فقد آنَ لي أن أستردَّ نفسي
من الحياةِ.
محمود شاكر الزبيدي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة