عندما تنخرس الأحرف
لكرم الدين يحيى إرشيدات
أقف بيني وبين نفسي،
وقلمي بيدي،
أحاول صياغة كلمات من المفترض أن ترى النور،
ولكن رغم الزخم العاطفي،
ورغم زخم المفردات،
إلا أن العجز ظاهر على قلمي،
وعجزٌ آخر في ترتيب حروفي…
عجزي أنا.
عجزٌ عن إخراج ما تكتنزه نفسي.
لا أدري إن كانت ذكريات آن لها أن تظهر من جديد،
أم أشواق نفسٍ كبتتها ليالي الوحدة والبعد القسري.
لا أدري…
شيءٌ ما يزعجني،
إلى درجة أكون فيها أحوج الناس إلى البكاء،
وأحتاج إلى يدٍ تمتد إليّ،
وتربت على كتفي دون أن تسألني: ما بك؟
ولكنني،
رغم كل هذا،
سأكتب.
سأخرج ما في جوفي،
سأكتب عن حزني،
بكلمات ممزوجة بدموع محترقة،
وبنفسٍ تكاد تكون مختنقة.
تستفزني أشواقي إلى حد الجنون،
وتستفزني ذكرياتي،
وتستفزني مكنوناتي…
مكنونات الإنسان الذي بداخلي.
وأصغر الأشياء تحركني،
وقد تبكيني.
أنا،
وكل أصحاب الكلمة،
كالأطفال الصغار…
تبكينا الصغيرة قبل الكبيرة،
وتسعدنا أيضًا أصغر الأشياء.
نبكي،
ونبكي بحرقة اليائس،
ونبكي من حولنا،
ونخرج حروفًا نازفة،
محمّلة بالألم الموجع،
لأن الوجع أصابنا من الداخل،
ولأن وجع النفس نصله حاد،
وجرحه عميق.
لا أدري عن أي شيء أتحدث،
وما الشيء الذي سأكتب عنه…
سأتحدث عن نفسي،
عن لوعة قلمٍ بيدي،
وعن حروفٍ يتيمة شردها جور الزمان،
وعن أسطرٍ أصابها القحط،
أسطرٍ متعطشة لخربشات قلم
تروي عطشها.
ولكن…
عندما تختنق الحروف،
تموت الكلمات،
لن يبقى إلا نواح العناوين الفارغة من الحروف.
لن يبقى إلا صباح نفسٍ أُطلق إليها العنان،
لتعلو شهقات روحٍ سكن الوجع أعماقها.
هو: امتزاج الروح بالحرف.
هي: صرخة استغاثة مدوية،
هزّت أركان الأرض،
في زمن جفّت فيه الحناجر،
وقُطعت فيه الألسن.
صُفّدت الحروف،
وحُبست المعاني،
ووقفنا عاجزين عن إخراج الآهة من حناجرنا،
أو حتى التنفس من خلالها عبر حروفنا.
اللغات أصبحت عقيمة،
ولو وضعت في رحمها كل المعاني،
فلن تخرج من جوفها كلمة تساندنا.
ممنوع أن نصرخ،
وممنوع، بل محرّم علينا، أن نبكي.
لا نعترض،
ولا نتكلم.
تُسلب منا الإرادة أمام أعيننا،
وتُسبى الحريات،
ويُزرع في رحمها الخنوع والهوان.
وعندما ينخرس الحرف…
ماذا تبقى لنا؟
ماذا تبقى من إنسانيتنا لنفخر به؟
لا شيء.
فقط أحبال من الهواء نتعلق بها،
ونعلّق عليها أوهامنا.
إذا كانت كلمة «ممنوع» هي السيناريو الذي نعيشه،
فماذا ننتظر؟
ممنوع أن تتكلم،
وممنوع أن تشتكي،
وممنوع أن ترفض،
وممنوع…
وممنوع…
فماذا ننتظر في ظل سياسة الممنوعات؟
ماذا ننتظر
عندما تختنق الضحكة في صدورنا،
وتتكسر معها نفوسنا؟
عندما ينخرس الحرف،
ماذا بقي من لغتنا؟
ماذا بقي من معانيها؟
العبارات ضحلة،
ونبع الحروف جفّت مياهه.
ماذا بقي لدينا؟
كيف سنكتب قوافينا؟
كيف سنكتب أشعارنا؟
كيف سنبكي بحروف خرساء؟
وكيف سنتغنى بحروف خرساء؟
ما شكل هويتنا؟
وإلى أي مدرسة ننتمي؟
أصبحنا طلابًا مبتوري الأيدي،
مقطوعي الألسن،
وأحرفًا صماء كحالنا.
بنظري…
أشعر وكأن الأرض توقفت عن الدوران،
والكون كله توقف.
ونحن عبارة عن منحوتات متصلبة في مكانها.
كل أشكال الحياة توقفت
عندما تكسرت حناجرنا،
وانخرس الحرف،
وأصبحنا أمةً صماء…
بحروفها،
وبلغتها.
د. كرم الدين يحيى إرشيدات
تعليقات
إرسال تعليق