ما بين الشوق والإنتظار
بقلم: صاحب الأثر

ما من ليلة تمر إلا ويعود إليّ الحنين إليك، كأنه يعرف دروب قلبي أكثر مما أعرفها أنا. يأتي في هدوء، يبعثر ما رتبه النهار في داخلي، ثم يستقر في روحي كضيف لا يريد الرحيل.

حين يهدأ الليل، أدرك أنني لم أكن منشغلًا عنك، بل كنت أؤجل مواجهة غيابك. فهناك فرق بين أن تنشغل عن امرأة، وبين أن تحاول الإفلات من حضورها الساكن في أعماقك. وكلما أغلقت أبواب يومي، وجدتك عند عتبة قلبي، تحملين أسئلة لم تستطع المسافات الإجابة عنها.

أفتقدك بما تضيق عنه الكلمات. لا أشتاق إلى صوتك وحده، بل إلى الطمأنينة التي كانت تسكنني بقربك، وإلى الرجل الذي كنت أصير إليه معك؛ رجل لا يخجل من ضعفه، ولا يحتاج إلى ادعاء القوة، لأن قربك كان مأمنًا يضع فيه أثقاله.

ولا أعرف أيهما أقسى: ألا أراك، أم أن أراك في كل شيء حولي ولا أستطيع الوصول إليك. فقد ترك غيابك أثره في تفاصيل يومي؛ في فنجان قهوة فقد مذاقه، ومقعد ظل خاليًا، ولحن عابر يعيدني إلى زمن ظننته انتهى.

كنت أتمنى حضورك لا لأعاتبك أو أطالبك بتفسير، بل لتجلسي إلى جواري، فأضع رأسي على كتفك دون كلام. فبعض الأوجاع لا تحتاج إلى شرح، بل إلى قلب يحسن الإصغاء، ويد تمنح الروح شعورًا بأنها ليست وحدها.

أنا لا أريد للحب أن يكون امتلاكًا أو حصارًا. أريد أن أكون الأمان الذي تعودين إليه باختيارك، وأن يكون قربنا مأمنًا لا قيدًا، ومحبةً تمنح كلًّا منا سكينةً لا خوفًا. أريدنا روحين تعرف كل منهما قيمتها، وترى في اللقاء إضافة لا إلغاء.

ومع ذلك، ينهشني الانتظار؛ أن تعيش بجزء منك في الحاضر، بينما يظل الجزء الآخر معلقًا على احتمال قد يأتي أو لا يأتي. لكنني تعلمت أن القوة ليست في إنكار الاحتياج، بل في الاعتراف بالحب دون أن نهدر كرامتنا، وأن نصون قلوبنا دون أن نترك أعمارنا معلقة على باب واحد.

وما زلت أحلم بيوم يجمعني بك بلا مواعيد مؤجلة ولا مسافات. يوم أراك فيه مقبلة نحوي، فتقول عيناك ما عجزت عنه الرسائل. سأضمك دون عتاب، وأدع الصمت يروي ما عجز لساني عن قوله، فقد تكون بعض الأحضان أصدق من أعوام طويلة من الكلام.

أحبك وأشتاق إليك، لكنني لا أريدك حلمًا أقتات عليه في وحدتي، بل حقيقة أعيشها، ورفيقة أطمئن إليها. فالحب الذي يستحق البقاء لا يحوّل العمر إلى انتظار، بل يقودنا يومًا إلى لقاء يليق بكل هذا الصبر.

وما أبهى أن يأتي يوم لا أكتب فيه إليك لأنني أشتاق، بل لأنك تجلسين إلى جواري، تقرئين كلماتي، ثم تبتسمين وتقولين:

أنا هنا... لم يعد بيننا انتظار.

— صاحب الأثر

ما بين الشوق والانتظار

 بقلمى صاحب الاثر 

إِذَا الشَّوْقُ يَوْمًا أَرَادَ اللِّقَا

فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ القَدَرْ

وَإِنْ طَالَ لَيْلِي وَطَالَ انْتِظَارِي

فَفِي آخِرِ اللَّيْلِ يَأْتِي السَّحَرْ

وَقَلْبِي إِلَيْكِ يَمُدُّ الخُطَى

وَيَحْمِلُ مِنْ وَجْدِهِ مَا اسْتَتَرْ

أَرَاكِ بِفِنْجَانِ قَهْوَتِي

وَفِي كُلِّ لَحْنٍ يَمُرُّ أَثَرْ

وَفِي اللَّيْلِ أَدْعُوكِ بَيْنِي وَبَيْنِي

فَيَصْمُتُ صَوْتِي وَيَبْكِي الوَتَرْ

وَأَكْتُمُ شَوْقِي وَأَحْفَظُهُ

كَأَنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ البَشَرْ

وَمَا كُنْتُ أَرْجُو سِوَى أَنْ أَرَى

بِقُرْبِكِ قَلْبِي يسكن ويقَر

وَمَا كُنْتُ أَرْجُو مِنَ الحُبِّ أَنْ

أُقَيِّدُ خُطَاكِ وَلَا أَحْتَكِرْ 

وَلَكِنْ أُرِيدُكِ أَنْ تَجِدِي

بِقُرْبِي أَمَانًا يَصُونُ الخَطَرْ

فَلَا الحُبُّ سِجْنٌ وَلَا الشَّوْقُ قَيْدٌ

وَلَا القُرْبُ يَوْمًا يُرِيدُ الضَّجَرْ

وَلَكِنَّهُ أَنْ تَكُونِي لِيَ

سَكِينَةَ قَلْبٍ وَدَفْءَ السَّحَرْ

وَيُتْعِبُنِي أَنَّ عُمْرِي غَدَا

مُعَلَّقَ قَلْبِي و أنا انتظر 

أُرَتِّبُ صُبْحِي عَلَى أَمَلٍ

وَيَهْدِمُ لَيْلِي طَوِيلُ الفِكَرْ

وَأَعْلَمُ أَنَّ التَّمَنِّي جَمِيلٌ

وَلَكِنَّ عُمْرِي غدا فى خطر 

فَإِنْ جِئْتِ يَوْمًا فَلَا عَتَبٌ

وَلَا فَتْحَ دَفْتَرِ مَنْ قَدْ غَبَرْ

سَأَضُمُّكِ صَمْتًا، وَأَطْوِي العِتَابْ

وَيَكْفِي لِقَلْبِيَ مِنْكِ النَّظَرْ

وَأَقْرَأُ فِي مُقْلَتَيْكِ اللِّقَا

وَأَعْرِفُ أَنَّ انْتِظَارِي انْتَصَرْ

أُرِيدُكِ حَقًّا، لَا حُلْمَ لَيْلٍ

وَلَا طَيْفَ ذِكْرَى يَزُورُ السَّهَرْ

أُرِيدُكِ دَارًا لِرُوحِي إِذَا ما

تَعِبْتُ، وَضَاقَ عَلَيَّ السَّفَرْ

وَمَا أَبْهَجَ اليَوْمَ إِنْ قُلْتِ لِي:

أَنَا هَاهُنَا، فَانْتَهَى المُنْتَظَرْ

 بقلمى 

صاحب الاثر

د.احمد محمد زيد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة