عتاب نفسي على نفسي
د.كرم الدين يحيى إرشيدات
كنت أظنك قريبة مني، بل أقرب إليّ من نفسي، وكنت أعتقد أن بيننا من التفاهم والإحساس ما يجعل المسافات مستحيلة، لكنك خيّبتِ كل ظنوني، وأضعتِ رجائي.
حين يعشق الإنسان بصدق، يصبح إحساسه مرهفاً إلى حدّ أنه يستشعر الأشياء قبل حدوثها، ويقرأ ما بين الكلمات، ويلتقط ما تعجز العيون عن البوح به.
لكنني اليوم أحمل في داخلي عتاباً كبيراً، ليس لك وحدك، بل لنفسي أيضاً... عتاب نفسٍ على نفسها، لأنها اعتادت أن تنظر إلى الآخرين بعينها الطيبة، وأن تقيس مشاعرهم بمقدار صدقها، وأن تمنحهم من حسن الظن ما لم تكن تدرك أنه قد لا يكون متبادلاً.
لم أعد أدري إن كنت أخاطب أحداً معاتباً، أم أنني أحاور نفسي مؤنباً إياها، فقد أصبح السؤال يلاحقني في صمتي:
لماذا يبتعد الجميع حين نكون في أمسّ الحاجة إليهم؟ ولماذا يتوارى كل شيء من حولنا حين تثقل أرواحنا بالتعب؟
أليس من المفترض أن يشعر القريب بتعبك قبل أن تضطر إلى البوح به؟
أليس من المفترض أن يسأل عن أحوالك، ولو لمجرد السؤال؟
أليس من المفترض أن تجد يداً تمتد إليك حين تحتاج إلى من يسندك، وقلباً يتسع لك حين تضيق بك الحياة؟
أم أنني كنت أحمّل القرب معاني أكبر مما يحتمل، وأنتظر من الآخرين أن يشعروا بما أشعر به، وأن يمنحوا كما أمنح، وأن يقرأوا صمتي كما اعتدت أن أقرأ صمتهم؟
لكن الحقيقة التي يصعب تقبّلها أن كثيرين يقتربون منك حين تكون في أحسن أحوالك، ويجدون في حضورك متعة، وفي حديثك مؤانسة، وفي قلمك ما يشبع نهمهم للكلمة الجميلة.
أما حين تتعب، وحين تحتاج إلى سؤال صادق أو التفاتة عابرة، فقد لا تجد من يلتفت إليك.
إنهم بحاجة إلى نزف قلمك، وإلى فيض قريحتك، وإلى كلماتك التي تمنحهم شيئاً من الجمال، لكن من منهم يتساءل عن حال صاحب تلك الكلمات؟
وهنا أعود إلى نفسي، لا لألومها على طيبتها، بل لأعاتبها لأنها ظنت أن الجميع يشبهونها.
فليس كل من اقترب منك شعر بك، وليس كل من أحب كلماتك أحب أن يعرف ما تخفيه خلفها، وليس كل من أنصت إلى بوحك كان مستعداً لسماع صمتك.
وما زال في النفس بقية عتاب، وفي القلب أسئلة لم تجد لها إجابة.
د.كرم الدين يحيى إرشيدات
تعليقات
إرسال تعليق